أخبار عاجلة
الرئيسية / ريبورتاجات وتحقيقات / وقفة مع فكر الشهيد  … محمد عبد العزيز

وقفة مع فكر الشهيد  … محمد عبد العزيز

9599889-15435233عندما يعيش الإنسان لذاته تبدو حياته قصيرة فتنتهي بانتهاء عمره المحدود ، أما عندما يعيش لغيره فإن حياته تكون طويلة عميقة تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقته لوجه الأرض

وعندما يرحل العظماء تنقص الأرض من أطرافها، وتنطفئ منارتهم الكبرى التي كانت ترسل إشعاعاتها ونورها لتظل متقدة على امتداد خارطة عطائهم , عندما يرحل العظماء تنفطر لذهابهم القلوب، باعتبارهم  حماة  مجد شعوبهم , وركنها الركين، وصمام أمن قيمها ومبادئها التي ترتفع بها إلى مصاف الأمم الخالدة ذات الإسهامات الكبرى في حياة البشرية

 هي مشيئة الله وقدره أن يرحل فارسنا الشهيد محمد عبد العزيز بجسد ه زارعا في قلوبنا حسرة ولوعة , لكنه لم يرحل الا بعد أن أثث لخلوده عبر مساحات شاسعة من قلوب الصحراويين , فنقف اليوم بمشاعر عميقة تشتعل فيها حسرة  الفراق بألم  الخسارة , وتتقد فيها شمائل الفخر والاعتزاز , بمآثر رجل بحجم  أمة.. رجل قاد مسيرة شعبه الذي افترسته وحوش التكالبات الاستعمارية  في الحقب المظلمة ، وفي زمن التبعية والهوان والردة عن المبادئ الناصعة والمعاني الجميلة , فعرف كيف يقود المراحل بتموجاتها ومنعرجاتها , بحربها وسلمها , وبين الاثنين  تكمن حكمة الرجل 

محمد عبد العزيز  واحد من العظماء الذين أنجبهم  الشعب الصحراوي  , ووهبهم القدر  شمائل  الصدق ورباطة الجأش , وحباهم بقدرات وطاقات متميزة ارتقت بهم إلى قمة المجد وذرى العمل والتضحية  , رجل ليس ككل الرجال، ورمز ليس ككل الرموز، فما تركه الرجل الفذّ بين دفتي كتاب حياته الذي تتقاطر من صفحاته المضيئة كل صور العطاء والإبداع، يضعه -حتما ودون جدال- في المرتبة الأسمى التي لا يجاوره فيها إلا نفر قليل من العظماء ، بالغي التفرد والتميز والإبداع، في العصر الحديث

ربما لا نعرف الكثير عن تفاصيل سيرة الرجل , لكننا مؤمنون بأنه شكل نموذجا للإصرار والمواجهة والتحدي في كل الميادين وفي كل الأوقات، وخلال تجربتنا القصيرة  , أدركنا  بعضا من العناوين العريضة التي بزغت في مرحلة ما من مراحل حياة الرجل التي تختزل في صحائف أعماله مدونات كتبت بمداد الذهب والمجد والفخار، على إيقاع مراحل وعهود زمنية عصفت بها التحديات وسرت فيها المؤامرات  ودسائس العدو , سيما وشعبنا يعيش بين اللجوء وقبضة الاحتلال , مما أهل الشهيد بأن يصير مدرسة فكرية كبرى متكاملة الأبعاد والزوايا، وموسوعة عسكرية  شاملة طبعت بصماتها المؤثرة في جبهات القتال , وفي انتفاضة الاستقلال , وفي السياسة الداخلية , فضلا عن الدبلوماسية التي أطرها بحكمة وتمعن واستقراء لمعطيات التطورات

أعتقد أن المكانة  التي احتلها  الشهيد محمد عبد العزيز , لم تكن من خلال مواقعه الهامة التي تقلدها  كأمين عام للجبهة ورئيس للدولة  , أو زعامته التاريخية لقيادة أخر حركة تحرر في افريقيا , بل إن الشهيد اكتسب أهميته ومكانته أكثر ما يكون كقائد ومفكر  قومي على مستوى العالم العربي والإسلامي  الذي لم ينصفه وستبقى تلك وصمة عار تطارد فقهاء الامة العربية والاسلامية ، فلم يتأخر عن واجب عزاء أو مواساة , ولم يبخل في تهنئة أو مباركة , وهو الافريقي بامتياز حيث تقمص النهج الافريقي عبر التصدي للطغيان الدولي، وهو الذي أظهر   رؤى وحلولا ومشاريع حضارية تتجاوز عناصرها ومكوناتها وتأثيراتها الجمهورية الصحراوية  إلى آفاق العالمين الافريقي الرحب والساحة الدولية الأكثر اتساعا من خلال اشاعة السلام  وحقن الدماء , والبحث عن فرص التنمية البشرية انشادا لرقي الشعوب وازدهارها ماديا وفكريا , ثقافيا واجتماعيا  

تجربة  الرجل ليست كأي تجربة, إنها تجربة فريدة واجهت مصاعب وعقبات لا حصر لها، وأعادت رسم وتشكيل الخريطة الاجتماعية  إثر عقود عجاف من التفرقة والقبلية ومحاولات وأد الوحدة الوطنية ، فحارب الجهل والامية ، ورافع عن التكاثر كسياسة , فلا تكاد تخلو كلمة من كلماته الداخلية من الحث عليه وتذليل عقبات الزواج , فضلا عن محاربة البذخ في المناسبات الدينية والاجتماعية , بل كان يستغل جميع المناسبات والاستحقاقات لاستعراض مساوئ القبلية , وكيف تساهم في ضرب الوحدة الوطنية , وكم حرض على أن يكون الاعتماد على الذات منهجا اقتصاديا , وكم من مرة ركز على القيم السامية لشعبنا مبرزا تميزها وضرورة الحفاظ عليها وتربية النشء على الفضيلة وحسن الخلق , وكم من مرة أشهر سلاحه في وجه محاولات النيل من طهارة كفاحنا عبر انتشار المخدرات والغلو في الدين ,  وبذلك يكون الشهيد قد جسد كل أشكال القوة والعزم والصبر والثبات والصمود  والحكمة  في متوالية رائعة من الإصرار العجيب الذي تفاعل بين ضلوع شخصية فريدة لا تأبه بالباطل ، ولا ترتعد من سطوة قرارات ترى فيها من الحكمة ما هو كاف للحفاظ على الخط العام ,  ورغم ذلك لم تقتصر حياته على المواقف الصلبة والقدرات الفكرية والسياسية الباهرة، بل إن رجل الفكر والسياسة امتلك مرونة اجتماعية وسياسية ودبلوماسية مدهشة صقلتها المحن والخطوب والتجارب والخبرات، ليشكل شخصية بديعة ذات ملامح ومكونات متكاملة توجت بكاريزما ذاتية وحضور لافت لا يختلف في جدارته وأهليته أي كان , ولعل شواهد العالم بدءا من الامم المتحدة مرورا بصناع القرار في مختلف عواصم العالم , وفقهاء السياسة والثقافة والمنظمات الدولية والهيئات العالمية كلها خلصت الى أن الشهيد محمد عبد العزيز من طينة الكبار, ومن الصعب اختزال كتاب حياته في قراءة متواضعة 

ومن الصعب رثاء قامة كبرى كقامة الشهيد محمد عبد العزيز  الذي أفنى حياته في سبيل نصرة شعبه  وإعلاء عدالة قضيته , فحين نتحدث عن علاقة الشهيد بالقضية الوطنية نتحدث عن علاقة عضوية عقدية مصيرية لا انفصام لها، وحالة من حالات التجذر العميق في الوعي الفكري والثقافي والسياسي الذي يتأسس على رؤية شمولية ذات آفاق رحبة تدرك أبعاد الصراع وحقيقة الاحتلال المغربي , فلم يشرك معها جاها ولا مالا , نتذكره مقاتلا في الصفوف الامامية , وفي ادارة المعركة , قائدا وجنديا راميا ومذخرا , سائقا وممرضا , محاضرا ومعلما , نتذكره في الحملات الانتاجية رغم الانشغالات الواسعة , نتذكره في زياراته المتواصلة  للمدارس العسكرية والمدنية والمستشفيات وكيف يواسي المرضى ويعزي المصابين , نتذكر الشهيد وهو يشق عباب البحر وشهاق الجو مبشرا بعدالة القضية الوطنية, نتذكره مؤطرا للانتفاضة السلمية بالأرض المحتلة وجنوب المغرب وبالمواقع الجامعية , نتذكره مثالا للأطر, بل كان مؤمنا بأن الاطار الملتزم مدعو الى أن يعطي بلا حدود من لحمه ودمه ووقته وراحته، وألا يخفض سقف تضحياته وعطاءاته مهما كانت الظروف ,نتذكر كيف واجه المرض عبر الصبر نهارا لئلا يتسلل القنوط أو اليأس الى نفوس شعبه , وكيف كان يتألم ليلا  افراغا لمتاعب النهار ورضوخا لشدة المرض , نتذكر الرجل الاستثناء , ونشهد له بأنه لا يعرف للحرباء إلا لونا واحدا , وهو بياض العهد , ما زلنا كصحفيين نتذكر كيف كنا نتابع تطورات انتفاضة الاستقلال تحت رئاسة الشهيد في محطاتها المختلفة، ماي 2005 , وخلية متابعة محاكمة معتقلي اكديم ازيك فبراير 2013 ، لحظة بلحظة وموقفا موقفا، وقلوبنا تتضرع إلى الله بالدعاء أن يوفقه لتقلده  زمام الحكم والتأثير, وكم كانت الفرحة والحبور والاستبشار تغزو أفئدتنا مع كل تقدم أو نصر تحرزه  القضية الوطنية حين يرفع سماعة هاتفه ويبشرنا به قبل غيرنا, ويوجهنا الى الطريقة المثلى لتبشير الجماهير

إن تأبين الشهيد محمد عبد العزيز عبارة عن كتابة قصة من قصص الأدب العجائبي ، لكن  كتابتها تحتاج إلى أن تكون الأقلام والأوراق والأذهان بمعزل عن هول الصدمة والمفاجأة برحيله , ومهما يكن فرحيله ترك فراغا في النفس والواقع ، ولكنه سيظل شائعا في الذاكرة الجماعية لشعبه ولمن عرفوه وأدركوا عبقريته , وليس لنا إلا أن نقتبس من رثاء طه حسين لعباس محمود العقاد قوله : ” أمثالك تموت أجسامهم لان الموت حق على الأحياء جميعاً، ولكن ذكرهم لا يموت لأنهم فرضوا أنفسهم على الزمان وعلى الناس فرضاً..

عاشت القضية الوطنية  في روح الشهيد محمد عبد العزيز وفي عقله ووجدانه، وكان لها سندا وداعما وظهيرا ونصيرا أينما حل أو ارتحل، حتى غدت صنو القضايا العالمية ، ولحنا شديا تعزف حروفه وتطرب لأنغامه كافة قطاعات وشرائح الشعوب والمنظمات والهيئات العالمية عرفانا بعدالتها

اليوم، تفتقد قضيتنا الرجل الأسطورة  الذي أرعب الاحتلال المغربي  , بمواقفه وقوة شخصيته، وزرع بذرة النهوض الواعد  بمؤسسات الدولة الصحراوية التي تعزف اليوم على وتر السياسة النظيفة غير الملوثة بأدران الكذب والخداع والتضليل، وتلعب دورا بارزا في تشكيل المشهد السياسي العام في الاتحاد الافريقي , وفي الامم المتحدة وفي أمريكا اللاتينية وأروبا وغيرها , انها المشروع الوطني الذي وصفه الشهيد بأنه يتسع لجميع الصحراويين , ويؤازر الشعوب المضطهدة في مشوارها نحو نيل حقوقها المسلوبة وكرامتها المفقودة  , ومع ذلك فنحن مرتاحون كون  العديد من  القادة والاجيال تخرجت من مدرسة النضال وعهد الثورة الطويل الامد , وهم رافعوا راية العزة والكرامة والحرية عاليا , مرتاحون كون هؤلاء الرجال , وان رحل الشهيد محمد عبد العزيز  وغاب عن مشهد الحياة , وان انطوت صفحة جسده  ، لكن فكره المبثوث في نفوسهم سيظل متأججا يافعا يحمل الراية ويقود المسيرة , بل لا بد من استثمار ومعاينة الثمار اليانعة التي نضجت في بستانه العامر، ونهلت من معين تجربته الممتدة  على مدار أربعين عاما , ورحيق خبرته الواسعة , وها هي تقود الدولة الصحراوية  بكل جدارة واقتدار، وتضعها في مكانها اللائق بين الأمم والشعوب

الشهيد محمد عبد العزيز جسد حقيقة نجوميته وانتمائه لشعبه ولقضايا قارته  ليس عبر اسمه المجرد، بل عبر مسيرة حياته العامرة وتاريخه الحافل الذي لم يعرف يوما معنى التردد والتراجع أو الانكسار , وفي ذلك عبر ودروس ستظل ناطقة , ومتلألئة لا غبار عليها , انه الرحيل السليم في العقل السليم وفي النهج السليم , وفي الطريق السليم 

فالعزة والمجد والخلود للشهداء , والخزي والعار والمذلة للخونة وللجبناء

عن essahraelhora

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*