الرئيسية / الارض المحتلة / إبراهيم دحان : ”لا نعترف للمغرب بالسيادة على الصحراء الغربية،وقانون المغرب بالنسبة لنا غير قابل للتطبيق على الأراضي الصحراوية”

إبراهيم دحان : ”لا نعترف للمغرب بالسيادة على الصحراء الغربية،وقانون المغرب بالنسبة لنا غير قابل للتطبيق على الأراضي الصحراوية”

كما ورد من المصدر: موقع وزارة الأرض المتحلة وشؤون الجاليات

عصاميون ،  لم يرتادوا المعاهد و لا الجامعات إلا  أنهم تخرجوا من معارك الحياة بإجازة مناضلين.

مناضلون جمعتهم أقدارهم في سجون الاحتلال فقرروا مواصلة الدرب بعد أن نجوا من قبضة الجلادين.  

مختطفون و معتقلون تعسفا ،انتهكت حقوقهم فانطلقوا من تجاربهم المأساوية  ليسعفوا جراحات شعبهم فاستماتوا في النضال السلمي حتى لا  تتكرر مآسيهم مع  أبناء شعبهم .

موقع وزارة شؤون الأرض المحتلة و الجاليات يستضيف المناضل و المختطف السابق الأخ : ابراهيم دحان ، رئيس الجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من قبل الدولة المغربية ليخوض معه في مسيرة النضال و معاركه و بعض الإشكالات التي اعترضت طريق الوقوف .

   أولا الأخ إبراهيم هلا قدمت لنا بطاقة فنية عن نفسك ؟

أولا و قبل الخوض في سؤالكم أود أن اعبر عن تمنياتي  للوزارة و من خلال هذا الطاقم الإعلامي الذي سيتواصل مع جماهير شعبنا في كل أماكن تواجده : بالأرض المحتلة ، مخيمات العزة و الكرامة و الجاليات أن تنجح- الوزارة –  في خلق فضاء نوعي و قفزة في مجال التواصل مع الجسم النضالي ، ففي زيارتي الماضية للمخيمات و لقائي مع مجموعة من القيادات بالتنظيم السياسي عبرت لهم عن انشغالي بالجانب الخطابي و الإعلامي،  و عليه آمل أن تحقق هذه المبادرة هذا الانشغال المعبر عنه في الرفع من مستوى الخطاب الإعلامي و السياسي بمزيد من تعزيز أدوات الإقناع .

و أتمنى لطاقمكم الإعلامي التوفيق ، و جميل بالنسبة لي توازنه من حيث عينة الجنس بوجود شابين و شابتين.

و بالعودة لسؤالكم ،  و بالمختصر أدعى : إبراهيم عبد الرحمن عبد الله ، معروف ب : إبراهيم دحان ، مختطف سابق من 20 نوفمبر 1987 إلى 19 جوان 1991 بمناسبة قدوم البعثة مع مجموعة كبيرة من الرجال و النساء فاقت ال 100 مختطف صحراوي ، كما أني معتقل سياسي تعسفا في بداية الانتفاضة بين سنتي 2005 و 2006 على خلفية محاولة الجمعية التي أسسها مجموعة من الرفاق و الذي كنت من بينهم فتح تحقيق في 07 ماي 2005 حول اغتيال شاب من الانتفاضة هو حمدي لمباركي.

و كذلك معتقل سياسي ما بين  2009 و 2011 لكوني من ضمن مجموعة ال 07 التي دعتهم الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب لزيارة مخيمات العزة و الكرامة و المناطق المحررة من تراب الجمهورية العربية الصحراوية و الذين تم اعتقالهم أثناء رجوعهم ،  كما أني من الرفاق الذين بدؤوا عملية الدفاع عن حقوق الإنسان في المناطق المحتلة من مارس 1994 و التي جاءت مبادرتها بعد اللقاء الذي جمع كل من الرفيقين:  إبراهيم الصبار و بلاهي الصديق مع مبعوثة من منظمة العفو الدولية قدمت إليهم في مدينة ” اقليميم ” جنوب المغرب من نفس السنة و بعد التحاق الرفاق بنا إلى مدينة العيون تم فتح نقاش حول إمكانية العمل في مجال حقوق الإنسان .

و في كل الأحوال أنا إنسان ليس لديه تكوين أكاديمي بل مناضل قاعدي  من مناضلي الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب ،  صاحب قضية شأني في ذلك شأن كل الصحراويين الباحثين عن الاستقلال ، الكرامة و الاحترام .

من أهداف الموقع بالإضافة إلى التواصل مع المناضلين و مرافقتهم هو تسليط الضوء على معانات مناضلينا مع انتهاكات حقوق الإنسان ، و عليه هلا حدثتنا الأخ إبراهيم عن تجربتك الشخصية في الاعتقال و الاختطاف ؟

مازحا : لا ادري إن كنتم قد شاهدتم مسرحية “كأسك يا وطني” لدريد لحام و الذي يحادث فيه أباه فيقول له ” صعبت لي الأسئلة ” .

فالسؤال صعب نظرا لطول الإجابة عليه و لكن بشكل عام و نزولا عند رغبتكم سأحاول الإجابة عليه.

لا شك أن الاختطاف و الاختفاء  القصري هو عالم مختلف تماما ، فتخيل أن قوة تأخذ إنسان قهرا و تقوم بحبسه و عزله عن العالم الخارجي بشكل كامل لتجرده من كل حقوقه ، إنسانيته ، كرامته و تزيل عنه كل أنواع الحماية ليصبح عرضة لأي شيء …

كانت تجربة قاسية و مأساة مريرة ودعنا فيها رفاق استشهدوا هناك ، تعرضنا فيها لكافة أنواع التعذيب مما لا يخطر على البال ” تعذيب ، جوع، عطش ، عري ، حرمان من النوم …

طيلة هذه المدة كنا محرومين من الحديث و معصوبي العينين ، فلكم أن تتخيلوا أن إنسانا انعم الله عليه بنعمة البصر فتأتي قوة لتحرمه منها لمدة ثلاث سنوات و سبعة أشهر ، و في أغلب الأوقات نبقى واقفين و ترتكز رؤوسنا على الجدران حتى لا نستريح ، و يحضرني هنا أن أحد الرفاق من الناطقين بالاسبانية كتب عبارة على الجدار تفيد فيما معناه ” يموت المقهور و وجهه مقابل الجدار”.

أحيانا كانوا يحرموننا من النوم لمدة 72 ساعة متتالية ، هذا غير السب و الشتم ، غير أن أكثر شيئا كان يؤلمنا هو صوت  أنين و عذاب بعض الأخوات من المناضلات اللواتي تم اعتقالهن برفقتنا ، كنا نفضل الموت على سماع هذا الصوت الذي يسبب لك الم لا يوصف .

كنا نعاني لطلب الإذن للذهاب لدورة المياه – أكرمكم الله – و كانت هذه الأخيرة غاية في البشاعة و قد تتعرض للتعذيب في طريقك إليها أو قادما منها ، و وصلوا درجة من التحكم في رقابنا  لدرجة طلب الإذن من الحراس حتى يسمحون لك بأداء فريضة الصلاة ، كان السجن الذي نقيم فيه سجنا خاصا و ليس به أبواب لذلك كانت حراسته مشددة جدا و كان يتناوب عليه ثلاث فرق من الجلادين من : الخامسة صباحا إلى الواحدة زوالا ثم من الواحدة إلى التاسعة ليلا و من التاسعة ليلا إلى الخامسة فجرا  و الأضواء مشتعلة لمدة 24 سا و أحيانا تتناوب فرقتين عندما تكون لهم حالات استثنائية ، الماء ليس موجودا و عليك أن تطلبه و كذا الأكل لا يقدمونه إلا لإبقائك حيا تتضور جوعا .

أصعب إحساس تشعر به في ذلك المكان المرعب هو الإحساس بالمصير المجهول و غياب صورة واضحة للأفق ، فليس بمقدورك سوى  الانتظار ، فقد ارتبط مصيرنا بقضية تشهد حربا ضارية و لا يعرف أحدا إلى ماذا ستنتهي الأمور،  فان كانت مجموعتنا تم اختطافها في سنة 1987 فان هناك من تم اختطافه منذ 1975 و خرجنا نحن و لا نعرف مصيره ولا زال مصيره مجهولا لحد الساعة .

يختلف المختفون قصرا في تفاعلهم مع هذه المأساة حسب شخصياتهم ، قدراتهم و تكوينهم لتجاوز هذه الظروف التي فرضت عليهم مثلما فرض على الشعب الصحراوي عامة ظروف الحرب و اللجوء و الاعتقالات و الاختطافات و سحل النساء و تجريدهم من ملابسهم و تعريضهم لكل أنواع الاهانة و التي مست من الكرامة الفردية و العائلية و لكن كذلك للكرامة الجمعية للشعب الصحراوي عامة و بالتالي كانت ظروف قاهرة ، كل هذا في ظل غياب أي جمعيات تعنى بحقوق الإنسان تلجأ إليها العائلات للاستفسار عن مصير أبنائها ، كما أنه لم يكن هناك وسيلة للاتصال بالعالم الخارجي،  فكما هو معروف فان المناطق المحتلة لم تستفد من خدمة الهاتف سوى سنة 1991 و كان ذلك مع المغرب فقط و  الذي يدعي أنها جزء منه ،  أما العالم الخارجي فلم يتسن ذلك إلا في سنة 2001 ، فالحمد لله على هذه العولمة التي استطاعت أن تحل بعض المشاكل بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل جهود المقاتلين الذين فرضوا مخطط التسوية بمساعدة الجهود المشتركة من : الحراك المدني و الجهود الدبلوماسية ، الحقوقية و العسكرية و غيرها من الجهود الوطنية التي ساهمت في التخفيف من تلك المعاناة  و لكن كذلك بفضل وسائل التواصل الفعالة و السريعة التي ساعدت هي الأخرى في تخفيف الوطأة على المناطق المحتلة.

في هذه الظروف المنقطعة عن العالم الخارجي و تحت وطأة المجهول و تسلل اليأس جراء :  غياب أخبار عن الأهل و افتراض أنهم قد يكونون ماتوا جميعا أو أحياء لكنهم يتألمون لفراقك و يتعذبون لغيابك و غياب أي معلومات عنك و في ظل عجزك عن مساعدة رفاقك الذين يموتون بقربك ، و تعذيب أخواتك و أمهاتك إلى جانبك دون أن تكون قادرا على تحريك ساكن و …

كل هذا يرغمك على الدخول في حوار مع ذاتك في رحلة لا متناهية تجتاحك فيها أمواج من الأسئلة المؤلمة التي تنخر نفسك و ترهقها : لماذا أنا بالذات و ليس غيري ؟ هل ما فعلته يستحق كل هذا العذاب ؟ لماذا خلقت إنسانا في الأصل ؟ لماذا لم اخلق صخرة صماء لا روح فيها ولا إحساس ؟ هل سأموت هنا أم أني سأخرج حيا ؟ و في حالة خروجي هل ينبغي علي أن أواصل مسيرة النضال أم أصون نفسي و احميها من نفس المصير الذي لاقيته هنا ؟ هل يعقل أن يفعل إنسان كل هذا لأخيه الإنسان ؟ ماذا فعلنا نحن للمغاربة حتى نلقى عندهم هذا المصير ؟ لماذا وقع كل هذا للصحراويين بالذات و ليس غيرهم ؟

عملية الاعتقال هي عملية لتدمير الإنسان من الداخل ، فعن نفسي كنت قبل الاعتقال قارئ نهم قرأت بعض القصص البوليسية و بعض المؤلفات عن أعمال الجواسيس زمن الحرب الباردة كما قرأت لبعض الكتاب اللبنانيين و المصريين الذين تطرقوا لهذا الموضوع مثل : حسان عبد القدوس ، نجيب محفوظ ، محمود مصطفى العقاد ،  طه حسين ، مصطفى لطفي المنفلوطي و آخرين ، و كانت فكرة غسل الدماغ من الأفكار التي تثير تساؤلي ؟؟ و لكني و بعد تجربة الاختطاف و الاعتقال وجدت الإجابة عن تساؤلي و هو تعريض الإنسان لتجربة قاسية و دراماتيكية لدرجة تدمير وجدانه فلا يبقى منه إلا هيكله حيث يفقد الحماس لأي مبادرة ،  التركيز ، المواجهة و الإقدام … كل هذه العوامل هي في حقيقة الأمر عملية غسيل للدماغ و تدمير لإنسانية إنسان .

حكاية غسيل الدماغ التي يتعرض لها المختطفون تشبه إلى حد ما عملية العنكبوت في اصطيادها لفريستها و التي نبهنا إليها أحد الرفاق و هو محمد جودو العيمار عندما أرانا عنكبوت كانت تنصب خيمتها بقربه في السجن و كيف أنها تحيط خيوطها بالذبابة بعد اصطيادها ثم تقوم بحقنها بإبرة سامة ثم تتركها إلى أن تموت فتعود إليها لتحقنها بنفس الحقنة لكن هذه المرة لامتصاص قلبها و تبقى الذبابة سليمة الهيكل لكنها فارغة من الداخل ، فنادرا ما تجد مختطف سابق له نفس روح المبادرة .

 كيف استطعتم تهيئة أنفسكم للانخراط من جديد في العمل النضالي و تأسيس جمعية تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان خاصة أنك أشرت آنفا أن الاختطاف يجعل الإنسان مدمرا من الداخل ؟ و ما هي المراحل التي مررتم بها ما بين الاختطاف و الاعتقال ؟

تعليقا على الشطر الثاني من السؤال و المتعلق بالمرحلة بين الاختطاف القسري و الاعتقال التعسفي و المراحل التي مررنا بها إلى غاية 2005 فكما أشرت سلفا للظروف التي حكمت المرحلة بعد خروجي من الاختطاف سنة 1991 فقد كانت مرحلة صعبة جدا على المغرب عامة و على المناطق المحتلة بشكل خاص متعلقة بطبيعة النظام حينها و كما أشرت أيضا إلى أنه و في مرحلة من سنة 1994 و قبل اعتقالي قدم إلينا في مدينة العيون كل من الرفيقين : إبراهيم الصبار و بلاهي الصديق و تحدثوا عن لقائهم بمجموعة من منظمة العفو الدولية و عن إمكانية تأسيس حركة للدفاع عن حقوق الإنسان، بعدها  قمنا بتنظيم مجموعة من اللقاءات السرية على مستوى الناجين من جحيم قلعة مكونة و آكدز و المخابئ السرية في الداخلة و السمارة وغيرها  و توصلت هذه اللقاءات بانتداب أحد الرفاق الناجين من قلعة مكونة هو الأخ بلاهي الصديق و آخر من مجموعة البعثة المفرج عنهم من مدينة العيون و هو المتحدث ، و تم تكليف المنتدبين للذهاب إلى عاصمة المحتل لإجراء دراسة تقييميه تروم الوقوف على إمكانية تحقيق هذا الهدف – تأسيس حركة للدفاع عن حقوق الإنسان – .

اتجهنا إلى الرباط و في طريقنا وجدنا الرفيق : إبراهيم الصبار في انتظارنا بمدينة أكادير و عند وصولنا لمدينة الدار البيضاء انضم الينا  الرفيق : الحسين الطنجي لنصل إلى مدينة الرباط نحن الأربعة.

أجرينا سلسلة من اللقاءات مع مجموعة من الأحزاب السياسية المغربية المحسوبة على المعارضة آنذاك و المعروفة ب ” الكتلة الديمقراطية ” و التي كانت تضم : حزب الاستقلال ، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، حزب التقدم و الاشتراكية و حزب كان يعرف آنذاك ب ” منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ” و الذي تحول بعد تحالفه مع أحزاب أخرى إلى ما يعرف اليوم ب: ” اليسار المغربي الموحد ”

كما التقينا بمجموعة من المنظمات المغربية التي تعنى بحقوق الإنسان و تمثل الحركة الحقوقية المغربية و هي : الجمعية المغربية لحقوق الإنسان،  المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ،  العصبة المغربية لحقوق الإنسان و كذا اللجنة المغربية لحقوق الإنسان الموجودة بمراكش و التي يتواجد ممثل لها في الرباط بالإضافة إلى إجراء بعض اللقاءات الصحفية و التي نشر منها ثلاث لقاءات في صحف مغربية كانت أهمها جريدة ” النشرة ” الصادرة عن شبيبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية التي نشرت مقابلة من  صفحتين .

إذن كانت هذه هي الاتصالات الأولية لوضع أساس للحركة الحقوقية التي أجراها الرفاق المنتدبين للمهمة من مارس الى أبريل من سنة 1994 و من أهم ما أثمرت عنه هذه الاتصالات في اعتقادي هي  إثارة الموضوع في البرلمان المغربي من قبل بعض الأحزاب من خلال بعض التساؤلات عن المسألة و تم قطع البث غير أنهم تلقوا الإجابة فيما بعد .

بعد العودة إلى مدينة العيون أجرت هذه المجموعة سلسلة أخرى من الاجتماعات إلا أننا هذه المرة لم نتمكن من الحفاظ  على سريتها مثل اللقاءات الماضية و قد يعود سبب ذلك إلى اطلاع أجهزة الأمن و المخابرات  المغربية  على الموضوع بعد تحركاتنا بالرباط .

تم الاتفاق على تشكيل لجنة للدفاع عن حقوق الإنسان و التوجه في نهاية سنة 1994 إلى الرباط و  البدء بالعمل من هناك لاستحالة العمل من مدينة العيون و بقية المدن المحتلة من الصحراء الغربية.

في يوم 10 ديسمبر من نفس السنة و المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان و الذي تم اختياره موعدا للتوجه لمدينة الرباط ، تم اعتراض طريقنا و انتزاع ما يسمى بطاقات التعريف التي تمنحها إدارة الاحتلال و تتيح لحاملها حرية الحركة و التنقل ، بل إن من بين المجموعة من تم تعريضه للتحقيق و الاستنطاق – كنت من بينهم – و اذكر أنه تم إلقاء القبض علي مع الأخ: دحان الرحموني ، بعدها أعادوا إلينا بطاقات الهوية لكنهم أخضعونا للإقامة الجبرية بمدينة العيون.

يذكر أنه و بعد الإفراج عنا تعرضنا لضغوط رهيبة ، إذ أراد الاحتلال أن يجعلنا عبرة لمن يعتبر حتى لا يتجرأ غيرنا من المناضلين أن يسلك طريقنا ، فقد ألزمونا بالحضور دوريا إلى مخافر التحقيق للاستنطاق و البحث و إلى بعض الإدارات حتى يهينوننا و يطلعونا على جديد الإجراءات و الأوامر المتعلقة بنا مثل حدود حركتنا و الأماكن التي لا يجب أن نذهب إليها ، كما يقومون باستنطاق ، حبس ، تهديد و مضايقة كل من يرافقنا ، كما أنه لم يعد بإمكاننا العمل فقد عملوا على عزلنا اجتماعيا .

بعد اعتراض سبيلنا من قبل الأجهزة الأمنية في شهر ديسمبر حدثت رجة و نوع من الشك على مستوى المنظمة التي ظهرت للعلن للتو ، فلم نكن حينها نمتلك الخبرة الكافية لمعرفة قدرات أجهزة الأمن و المخابرات على الاختراق ، التأثير و حرب الإشاعة و الدعاية و غيرها من الأساليب القذرة التي تم استخدامها ضدنا.

تجدر الإشارة إلى أنه في كل هذه المراحل كانت الخلايا السرية للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب تعمل في مجالات محددة وفق متطلبات التنظيم السياسي و توجيهاته .

في سنة 1998 تم استئناف العمل على المبادرة ، إذ استطاع مجموعة من الرفاق الذهاب إلى الرباط من جديد في شهر أوت و أجروا بعض الاتصالات و هي التحركات التي ثبتت أسس الجمعية لتستمر إلى يومنا هذا ، لكون اللجنة استطاعت أن تعمل وفق الجهاز المفاهيمي السائد حينها انطلاقا من التكيف مع مجموعة من العوامل و الظروف الموضوعية و الذاتية في آن و التطورات الكبرى و التي سأحاول إيجازها فيما يلي :

فقد فرض المحتل و منذ الغزو ظروفا قاسية جدا على الشعب الصحراوي بالمناطق المحتلة تطرقت للبعض منها و لم يتسن لي ذكر بعضها الآخر لأني لم أكن شاهد عيان عليها مثل ظروف الحرب التي تعرض لها سكان البدو و القصف بالطائرات و جرائم الإبادة التي دفن فيها الناس أحياء و غيرها .

هذه الظروف خلقت نوعا من الرهبة و الخوف لدا السكان العزل الأبرياء كما فرضت عليهم نوعا من التوجس انعكس على خطابهم،  فلم يعد بالإمكان التلفظ بكلمة ” الصحراء” ناهيك عن “الصحراء الغربية” أو “المحتلة ” أو ” جبهة البوليساريو” و قد يصل بك الحال إلى السجن و التعرض لما تعرضنا نحن إليه لمجرد أنك كنت تستمع للإذاعة الوطنية.

كل هذا جعل اللجنة تهتدي إلى تحرير بعض الكلمات مثل ” الصحراء ” بدل من ” الصحراء المغربية” التي فرضها الاحتلال على الناس و قد تلقوا التهاني على ذلك كأنهم فعلوا انجازا كبيرا .

بعد ذلك اعتمدوا مصطلح ” الصحراء الغربية ” و حين تعرضوا للهجوم و الانتقاد واجهوا المهاجمين بالقول ” أنه مصطلح جغرافي و أنه معتمد من قبل منظمة الأمم المتحدة و المنظمات الدولية لحقوق الإنسان ” بعدها اعتمدوا مصطلح ” المناطق الصحراوية المحتلة ” و جاهروا بالقول أن ممثلهم الوحيد هو الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و واد الذهب و أنه لا يوجد حل دون احترام حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير و بدأوا يستخدمون القانون الدولي و يستوعبون هذا الجهاز المفاهيمي الذي ساعد كثيرا في مراحل لاحقة ، إذن كان لزاما انتهاج هذه التراتبية في الخطاب.

أريد كذلك التعليق على حدثين هامين أحدهما هو : إصدار ما يعرف بالمجلس الملكي الاستشاري لحقوق الإنسان لبيان خطير يحصي فيه الذين تعرضوا للاختفاء القسري و انتهاكات حقوق الإنسان ب :111 شخص فقط و من بينهم صحراوي واحد من الناجين من قلعة مكونة هو : محمد أمبارك بوستة المتواجد حاليا بالسمارة .

هذا البيان آثار ردة فعل قوية من قبل المجتمع المدني المغربي و قد حدث تنسيق مع الحركة الحقوقية الصحراوية لأن اللجنة بدأت تعرف على الساحة الدولية اذ استطاعت خلق تواصل مع العديد من المنظمات الدولية كما استطاعت استكمال المجهود الذي بدأته جمعية أباء و الياء المعتقلين الصحراويين و خاصة من المناطق المحتلة و من الميدان الذي شهد أعمال الانتهاكات ، و على اثر هذا البيان حدثت حركية قوية تولد عنها حدثين مهمين:

أولهما : هو تحالف الحركة الحقوقية المغربية المتمثلة في : اللجنة ،المنظمة ، الجمعية و العصبة المغربية لحقوق الإنسان مع مجموعتين بارزتين لحقوق الإنسان هما : لجنة التنسيق المنتدبة عن الصحراويين ضحايا الاختفاء القسري و الاعتقال التعسفي التي كانت موجودة بفندق الجزائر بالرباط و لجنة عائلات المختفين المغاربة و التي كانت تضم مجموعة من الفاعلين مثل : عائلة المينوزي ، عائلة الرويسي و عائلة المهدي بن بركة و غيرهم و أسفر هذا التحالف عن تشكيل لجنة مشتركة سمتها ” لجنة متابعة ملف ضحايا الاختفاء القسري في المغرب و الصحراء الغربية ”

ثانيا : خلق حركية تولد عنها ميلاد ما يسمى “المنتدى المغربي من أجل الحقيقة و الإنصاف”  في شهر نوفمبر 1999 ، و التي كان للجنة التنسيق الصحراوية دورا في تأسيس هذا المنتدى من خلال المساهمة في النقاش لتأسيسه رغم اتخاذها لقرار النأي بنفسها من الانضمام له ، لا من حيث تسييره ولا قيادته نأيا بالملف الصحراوي لحقوق الإنسان عن التمييع و إبعاده من كافة الأخطار المحتملة جراء الخيانة من أطراف خارجية.

هذا المنتدى تولدت عنه نتيجة مهمة بالنسبة لنا كصحراويين و هو انه في شهر أوت سنة 2000 انبثق من هذا المنتدى فرع هو ” فرع الصحراء ”

فرع الصحراء هذا و رغم كونه فرعا لمنتدى الحقيقة و الإنصاف المغربي غير أنه تمت قيادته من قبل مجموعة من المناضلين باقتدار و رؤية واضحة و تم استثماره أحسن استثمار لتستفيد منه القضية الوطنية أحسن استفادة فلأول مرة يتم اعتماد مقر تم استغلاله للتحريض ، التوعية و نشر ثقافة حقوق الإنسان.

لجنة التنسيق هي الأخرى و ابتداء من شهر اجويلية 1999 استطاعت فتح قنوات اتصال مع معظم السفارات الغربية و الإفريقية و بالتالي بدأ العمل يتطور إلى أبعاد أخرى.

في نهاية 1999 شهدنا مجموعة من النقاشات حول مدى الفائدة من فتح فرع للمنتدى من عدمه لتهتدي مجموعة اللجنة إلى  إنشاء جمعية بقيادة صحراوية و اطر صحراوية تكون مستقلة في قراراتها و في خضم هذا النقاش تم تشكيل خلية للتفكير لكنها لم توفق للأسف الشديد.

في سنة 2002 على ما أذكر تم تشكيل لجنة تحضيرية لنفس الغرض و منها تم تأسيس الجمعية الصحراوية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من طرف الدولة المغربية يوم 07 ماي 2005 و أذكر أن في ماي سنة 2005 استطاع هؤلاء الضحايا الذين شكلوا لجنة التنسيق أن يرفعوا لافتات لصور المختفين الصحراويين في الرباط و الدار البيضاء  و بدأوا ينظمون مظاهرات و لعل أهم هذه المظاهرات هي ما يعرف في تاريخنا ب “مظاهرة الكرامة ” التي نظمت في مارس 2005 و كذا المظاهرة التي انطلقت في أول ماي 2005 و التي رفع فيها لأول مرة من داخل المناطق المحتلة شعار ” لا بديل لا بديل عن تقرير المصير ”

كل هذا لم يأت دفعة واحدة بل جاء نتيجة لتراكم التجربة و حصيلة لإدراك و استيعاب القانون و بعد فتح قنوات اتصال مع عدة سفارات و عديد المنظمات الأجنبية الفاعلة و لكن أيضا بمرافقة من التنظيم السياسي من خلال الجهات الوصية و المعنية.

و قد ساهمت هذه الأجواء في كسر الحصار المفروض على المناطق المحتلة ، فقد اتخذت الجبهة قرار زيارة مجموعة المناضلين ال10 إلى الجزائر و بعد ذلك مجموعة ال 07 في نفس السنة إلى المخيمات و رغم تعرضهم للاعتقال واصل التنظيم السياسي إيفاد الوفود من المنطقة لكسر الحصار حتى تحقق ذلك.

هذه التراكمية و هذا النفس الجديد كان له دور في خلق الأرضية و الجهاز المفاهيمي الذي سيستعمل بعد ذلك في انتفاضة الاستقلال ، و قد ركزت عمدا على رفع شعار ” لا بديل عن تقرير المصير ” و عدد من الشعارات الأخرى التي رفعت على مستوى اللجنة و فرع الصحراء للمنتدى و اللذان خلقا مجتمعين تراكم مع فاعلين آخرين و سياسيين بطبيعة الحال و جهود وطنية منها ما هو سري و ما هو معلن.

ما هي ظروف تأسيس الجمعية ؟ و هلا حدثتنا عن المعارك التي خضتموها ؟

موضوع الجمعية و كما أشرت سلفا هي فكرة راودت مجموعة من الإخوان من ضمن اللجنة و أريد هنا التذكير بنقطتين لم أذكرهما من قبل  و هما أن البيان الصادر عن المجلس الملكي الاستشاري لحقوق الإنسان الذي سبق و أن أشرت إليه عرف ببيان ابريل لكنه أيضا عرف ببيان111  .

النقطة الثانية التي لم اذكرها هي أن اللجنة التي شكلت في 2002 كانت تضم 12 مناضل في بدايتها هم : الطاهر اليزيد ، الطنجي الحسين ، البشير لخفاوني ، إبراهيم الصبار ، حجي أمبارك ، الصالح الزيغم ، بلاهي الصديق ، المتحدث ، إبراهيم النومرية ، محمد النومرية ، الرقيبي بوشلقة ، محمد سالم آبا .

عندما رفضنا الدخول في المكتب التنفيذي للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة و الإنصاف الذي كان يترأسه المرحوم بنزكري مورست علينا مجموعة من الضغوط في إطار علاقتنا بهم من أجل أن ننضم للمنتدى بل عينوا و دون مشورتنا أحد الرفاق عضو مكتب تنفيذي هو دحان رحموني و تدخلنا فيما بعد بالقول أننا لم نقترحه ولا نريد ذلك.

لم نرغب في الدخول في المنتدى لتوجسنا من مجموعة من المخاوف المحتملة و هي أن النظام في المغرب يمكن أن يضغط على هؤلاء الإخوان ليتخلوا عنا ، كما أن الضغط يمكن أن يأتي من هؤلاء الإخوان أنفسهم باعتبار أنهم يتكونون من مجموعة من الآراء و الأحزاب السياسية المختلفة و التي في اغلبها لا تؤيد الصحراويين و بالتالي يمكن أن يتغيروا في لحظة من اللحظات أو أن يحشروا أنفسهم  في جميع الملفات و نكون بذلك أدخلنا أنفسنا في متاهة نحن في غنى عنها.

هذه المخاوف  مردها أن الإخوان الذين كانوا يعملون من الرباط و مع مرور الوقت و تراكم التجربة تشكل لديهم هاجس من العمل خارج المنطقة و بعيدا عن القواعد الجماهيرية و كأن كل هذا العمل و الجهد و التراكمية تحدث في المكان الخطأ .

في البداية واجهنا صعوبات جمة لعل أولها هو صعوبة فهم الناس للأهداف و لكن أيضا رافقتنا بعض نقاط الضعف مثل الضعف في التواصل و التخاطب مع القواعد و في اعتقادي أيضا أن من أكبر الأخطاء التي وقعنا فيها هي عدم مد التنظيم السياسي و قواعدنا التنظيمية بالمعطيات المفيدة حتى نخلق فهم و استيعاب و حتى تتضح الرؤية و الأهداف المرسومة في تلك المرحلة و هذا ما ترك في اعتقادي بعض الضبابية و التوجس لدا العديد من المناضلين ، فحين تقول أنك متجه للمغرب للمطالبة بحقوق الإنسان سيكون الأمر مدعاة للسخرية و التشكيك في سلامة عقلك، فكيف تطالب من الجلاد احترام حقوقك التي انتهكها هو بنفسه ؟

كل هذا صعب المأمورية و مرد ذلك لجملة من المعطيات من بينها : انطباع بعض المناضلين الذين تشكلت لديه ضبابية في الفهم و نقلوا هذا الانطباع  الضبابي غير الدقيق لبعض الأطر السياسية الفاعلة على مستوى التنظيم السياسي و قراراته،  و حتى لا يتوهم أحد فالجبهة الشعبية كانت مؤثرة دائما ولازالت مؤثرة و ستبقى كذلك بإذن الله ما بقي الصحراويين بالمنطقة المحتلة، و عليه كان لهذه الضبابية الدور الكبير في صعوبة المأمورية ، هذا بالإضافة إلى مشاكل على مستوى اللوجستيك و كذا الصعوبات على مستوى المعرفة و الكادر البشري المؤثر و من بين اكبر الصعوبات التي واجهتنا ولا وزالت تواجهنا هو الجانب القانوني لأن اللجنة كانت متخوفة من أنه و بدل أن تأتي بفائدة لشريحة من هذا الشعب أو فائدة للقضية عامة تنزلق و تمس بعض الخطوط الحمراء أو الثوابت الوطنية و نكون بذلك أضرينا بالناس و بالتاريخ و بأنفسنا و انعكس علينا مجهودنا بالسلب ، غير أن الإرادة و الشعور بالمسؤولية كانا قويان مما حتم البحث عن مخرج و جرى النقاش حول كيف سنؤسس هذه الجمعية ؟ هل نؤسسها انطلاقا من قانون النظام الذي يفرضه المحتل و لكن تلزمه اتفاقيات جنيف أن يستخرج لنا بطائق التعريف و جوازات السفر و يمكننا من العمل ؟ و انطلاقا كذلك من رؤية قانونية تقول أن الإقليم خاضع لإدارة دولة و بالتالي القانون الدولي و القانون الدولي الإنساني يتطرق لحقوق مواطني الأقاليم الخاضعة  لإدارة دول أخرى و الذي ينطبق على حالتنا ، كما أن هناك حضور لجانب قانوني آخر و المتعلق بالبندين 73 و 74 من ميثاق الأمم المتحدة نفسها و الذي يحدد التعامل مع الأقاليم غير المحكومة ذاتيا و الذي تنطبق عليه توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 14/15.

إذن كان هناك نقاش قانوني عميق و قضى فترة طويلة من المداولات فحين يتبنى البعض عدم إمكانية تأسيس الجمعية انطلاقا من القانون المغربي تجد له مبررات لكن حين يقول آخرون بعكس ذلك تجد لهم مبرراتهم أيضا ، و لكن الأهم و كما أشرت آنفا هو أننا في معظمنا مجموعة من المناضلين غير الحاصلين على شواهد عليا و لسنا خبراء في القانون ولا في مجال حقوق الإنسان بل نحن مناضلين بسطاء جمعتنا أقدارنا في السجون و نشأنا في ظروف الحرب و كان علينا كبقية المناضلين الصحراويين أن ننخرط  في العمل لنجد أنفسنا في هذه المعادلة .

بعد نهاية النقاشات و بعد محاولة التأسيس في سنة 2004 امتنع المغاربة من التعامل معنا انطلاقا من قانونهم و في اعتقادي أيضا يرجع هذا الامتناع لمعرفتهم الجيدة بالأفراد – أصحاب المبادرة – و بأهدافهم التي يعرفون أنها ليست في صالحهم.

في بداية سنة 2005 حاولنا وضع اللمسات الأخيرة للجمعية فدعونا مندوبين عن منظمة العفو الدولية إلا أن الإدارة مرة أخرى رفضت تسليمنا أوراق الاعتماد ، و بعد العديد من المطبات التي كانت تعترض سبيلنا في كل مرة  اهتدينا إلى طريقة قانونية طبقا لقانون المحتل الذي أسسنا بناء عليه الجمعية و هي طريقة المراسلة عبر البريد و الاستعانة بالمفوض القضائي الذي حرر محضر بسلامة الإجراءات و تفاصيل قانونية معقدة نوعا ما و لكن عموما استوفينا جميع الشروط فيها و لم يستجب المغاربة في هذه المرة أيضا بل ذهبوا إلى تهديدنا و ممارسة الضغط علينا ….

بعد استنفاذنا لجميع الخطوات الممكنة قررنا التوجه لتنظيم مؤتمرنا التأسيسي بتاريخ 07 ماي 2005 و ليحدث ما يحدث، و لتنظيم المؤتمر كنا بحاجة لمقر لاحتضانه مما اضطرنا أن نستأجر منزل كبير نسبيا باسم أحد أعضاء اللجنة التحضيرية قمنا بتجهيز سقفه و تهيئته لاستقبال المدعوين و تنظيم الحدث و استكملنا وثائقنا و أرضية النقاش و القانون الأساسي و مقترحات بتأسيس مجلس وطني و الذي أطلقنا عليه اسم المجلس التنسيقي باعتبار أننا لم نكن نستوف الشروط ولازلنا،   فنحن شعب مقسم.

في التاريخ المحدد لهذا الجمع العام استنفر المغرب قواته و قام بتطويق المكان غير أننا توكلنا على الله و كان بتوفيقه نجاح الحدث الذي حضره حوالي 120 من المناضلات و المناضلين و تخللته مداخلات من : السمارة و العيون  و من الخارج و من داخل السجون و تم رفع مجموعة من الشعارات.

هذا الجمع العام أثار ردود فعل مضادة من مجموعة تظن نفسها مهمة و هي في حقيقة الأمر تعمل لصالح الاحتلال و قد اجتمعوا في أحد المنازل احتجاجا على الجمع ليخرجوا بقرار تنظيم سلسلة من الاجتماعات بدأوها من العيون مرورا بالسمارة  فالداخلة ثم بوجدور ، الطنطان ، اقليميم و آسا و قاموا بالترويج للحكم الذاتي لكنهم ما إن وصلوا للرباط حتى جاءهم الخبر اليقين إذ انطلقت انتفاضة الاستقلال بالمناطق المحتلة لتكسر هذا التوجه الخبيث و لتعطي جوابا صارخا لتوجه الشعب الصحراوي و خياراته.

في 17 ماي كان حدثا مهما حيث خرجت مظاهرة عارمة و هي التي كادوا  أن يكسروا فيها رأس المناضلة مينتو حيدار و تم اعتقالها في نفس اليوم ، و في اليوم الموالي و بينما أنا و الرفيق إبراهيم الصبار في مقر الجمعية للتحضير لاجتماع المكتب التنفيذي تم اقتحام المقر و مصادرة جميع الوثائق و اللافتات الموجودة و التي كانت مهيأة  لتحضير وقفة مهمة في شهر ديسمبر 2004 كان مزمع ها أن  تتوجه لمقر بعثة المينورسو و اعترض سبيلها المغرب إلا أن الوقفة تمت لكن ليس بالصفة التي تم التحضير لها ، كما كان بمقر الجمعية كمية من اللافتات التي رفعت في مظاهرات فاتح ماي بالإضافة إلى مصادرة بعض الوثائق الشخصية للرفيقين إبراهيم الصبار و بلاهي الصديق و تم توقيف نشاطها.

و قد وجهت لكل المناضلين الذين تم اعتقالهم إبان الانتفاضة و قد ناهزوا ال 100 مناضل تهمة الانتماء لجمعية غير مرخص لها و استمرت المضايقات بعد ذلك فقد تم اعتقال الكاتب العام للجمعية الأخ : إبراهيم الصبار و استمر الاعتقال سنتين من 2006 الى 2008 و كذا الرئيس و عدد من أعضاء المكتب التنفيذي و مجلس التنسيق.

و لا يفوتني هنا الإشارة إلى نقطتين لهما مغزى بالنسبة لي أولهما : هو أن الجمع العام او المؤتمر التأسيسي الأول سمي على : محمد سيد إبراهيم بصيري كأول مختفي مجهول المصير و زعيم صحراوي تم اختفائه في زمن الاستعمار الاسباني  و ثانيهما هو اختيار شعار المؤتمر: لا إنصاف بدون مصالحة ولا مصالحة بدون حل  شامل و الذي كان ردا على تسمية لجنة الإنصاف و المصالحة التي أنشأها المغرب و يعكس هذا مستوى الوعي و مستوى التوجس و التخوف لدا هؤلاء المناضلين من أن تمس قضيتهم الجوهرية أو منطلقاتهم .

 

ما هي الغايات من اعتمادها كجمعية مرخص لها بالعمل من إدارة المحتل ؟ و هل حقق هذا الاعتماد الأهداف المسطرة من قبلكم ؟

تأسيس الجمعية و كما أشرت سابقا جاء ثمرة نقاشات عميقة من اللجنة التحضيرية التي ضمت مجموعة من الرفاق و الرفيقات و خضعت لتقييم ميداني كما حكمتها اكراهات تدبير أكثر من كونها دراسة قانون و مرجعياته ، و في هذا الشأن أتذكر كلمة للشهيد الزعيم : محمد عبد العزيز يصف فيها الواقع بأنه ” واقع مفروض و مرفوض”

هذا النقاش تطرق فيما تطرق إليه إلى كيفية الوصول للأهداف و العبور من مرحلة لأخرى و ترتيب الأولويات  و التي تتطلب الكثير من الدقة ، المرونة و بعد النظر و الفهم العميق  لكن كانت الأرضية دائما هي المبادئ و الخطوط الحمراء التي وضعها هؤلاء الإخوان لأنفسهم .

في خضم هذه المداولات تم استحضار اتفاقيات جنيف التي تتحدث عن إلزام الدولة المحتلة بتوفير شروط العمل و تحقيق سبل الحماية للمدنيين و كذا ميثاق الأمم المتحدة الذي يلزم الدول المحتلة خاصة في بنديه 73و 74 ب فسح المجال للعمل تمهيدا لتأهيل الشعوب و تنظيمها و قيادتها لنفسها بنفسها كما يلزمها برفع تقارير للجمعية العامة للأمم المتحدة و اللجنة الرابعة بالخصوص حول مسيرتها في تصفية الاستعمار .

عملنا على هدف تأهيل العنصر البشري لمستوى التنظيم و تبادل المعلومات و استخدام كل الوسائل المتاحة و التي قد تضطر في مراحل لاحقة إلى إخضاعها للمراجعة و التقييم ، و اعتقد أننا وصلنا لهذه المرحلة ، و حين ننظر بنظرة متأنية للوراء و نجري مسحا و تقييما للأمام  سنجد أن هناك معطيات كانت فعالة في حينها و أن بعض الأهداف الجزئية تم تحقيقها إلا أن الهدف الأسمى لم يتحقق بعد و المتمثل في الاستقلال الوطني  و استرجاع الصحراويين لسيادتهم  رغم الجهود المتفرقة و المتعددة و الذي يمثل نضالنا جزءا بسيطا منها .

و في هذا الإطار يمكننا التساؤل و على المستوى القانوني:  هل وصلنا من النضج لما يؤهلنا لرفع التحدي و نكون قادرين على العمل تحت يافطة القانون الدولي الإنساني ؟

لم نصل بعد لهذه المرحلة ، و هل هو الوقت المناسب ؟ خاصة أنه من الناحية القانونية لم تكن أبدا قضيتنا الوطنية تعاني من الضعف بل أنها و على مر التاريخ  تعد أكبر قضية حظيت بمجموعة من القرارات من كل مصادر التشريع الدولي : الجمعية العامة ، اللجنة الرابعة ، مجلس الأمن ، محكمة العدل الدولية و أخيرا الحكمين الأخيرين لمحكمة العدل الأوروبية في سنة 2015 و 2018 .

هذا الوضع القانوني لا يزال يطرح إشكالا بالنسبة إلينا ، و هو الوضع الذي أثار نقاش مؤخرا خاصة بعد استدعاء المفوضية الأوروبية للجمعية مع جهات أخرى للتشاور على موضوع الثروات .

الجمعية عامة  ليست غاية ولا هدف في حد ذاتها ، بل هي وسائل و آليات للعمل و يجب علينا تثمينها و إخضاعها للتقييم للوقوف على مدى صلاحيتها و مواكبتها للأحداث كما تتطلب المراجعة الدائمة ، و أمامنا المؤتمر للتطرق لكل ذلك و سيكون النقاش مفتوحا في الموضوع ، خاصة أن مجموعة من القانونيين الصحراويين طرحوا إشكالية استثمار المغرب لهذه الوضعية القانونية و التي يسوق لها كدليل على الديمقراطية و على حرية الصحراويين على التعبير و خلق آليات للتعامل معهم.

هذا الأمر لم يكن غائبا عن أذهاننا ، لذا دخلنا في عملية تشاور مستمر مع  الجهات التي نعتقد بإفادتها في هذا الشأن من حيث النصح و المعرفة و لكن كذلك نحن في تشاور مع كل الشركاء و منفتحين على التقييم و المعالجة و لكن بالتأكيد و ما أضع أسفله سطر هو أن هذه الجمعية لن تكون إلا آلية و قبضة للشعب الصحراوي ليدافع بها عن مصالحه القانونية و السياسية و يراكم بها جهوده في اتجاه حريته ، استقلاله و كرامته .

في معرض حديثك السابق أشرت أن مناضلي الجمعية كانوا دائما يتوجسون من أن يتجاوزوا  خطوطنا الحمراء ، و من المعروف أن قانون تأسيس الجمعيات بالمغرب في فصله الثالث يشترط احترام ما يطلقون عليه (الوحدة الترابية) و النظام الملكي ، ألا ترى أن الانضواء تحت هذا الشرط مساس بهذه الخطوط ؟

صحيح أن المغرب يحاول جاهدا أن يستفيد من هذه الوضعية لصالحه ، فهناك العديد من التفاصيل القانونية الدقيقة التي يطول الحديث فيها لكن هناك جوانب قانونية أخرى تكمل الصورة .

نحن أساسا لا نعترف للمغرب بسيادته على الصحراء الغربية و قانون المغرب بالنسبة لنا غير قابل للتطبيق على الإقليم ، و قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الأمر متناقض و غير متناسق و هذا أمر طبيعي غير أن هذا الواقع فرضته مسألة التدبير و التعاطي مع الوضع و المرونة في الانتقال من مرحلة لأخرى.

و بالتالي فهذا الوضع الذي يحاول المغرب أن يفرضه علينا كأمر واقع من خلال قوانينه كضريبة لاعترافه بنا لا نقبله و لن نقبله ، فنحن اشتغلنا من دون هذا الاعتراف .

و على كل  حال فعلى طول معركة التأسيس و الاعتراف لم نمس من الخطوط الحمراء ، و جميع المناضلين كانت لديهم رؤية واضحة بمبادئ وطنية صلبه .

أخرى فإذا كان هذا ما يقوله قانون المغرب فماذا يقول القانون الدولي ،  اتفاقيات جنيف  ،   و من جهة

ميثاق الأمم المتحدة ، العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية ،  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ؟

كل هذه القوانين مجمعة على منحنا حق التنظيم و التظاهر كما تفرض على المحتل و من خلال قوانينه  منحنا وثائق ثبوت الهوية و جوازات السفر لغرض التنقل و خلق مناصب العمل سواء تعلق الأمر بالقانون الإنساني الدولي الذي يطبق في حالة الحرب و الذي لازال ينطبق على حالتنا رغم توقيف إطلاق النار أو تعلق الأمر بالشرع الدولي في حالة احتلال شرعي  معترف به .

الإشكال في العمق القانوني الذي نقع فيه من هذه الناحية هو أننا لا نعترف للمغرب بالإدارة و في المقابل لا يعترف هو لنا بالاحتلال و بالتالي يتطلب الأمر نقاش قانوني معمق ، و نحن لازلنا بصدد الدراسة و البحث في الموضوع  و قد اطلعت شخصيا – في رحلة بحثي عن وضعيات مشابهة-  على التجربة الفلسطينية و هي التجربة الأقرب لوضعنا لحد الساعة و التي لازالت هي الأخرى بصدد البحث عن مخارج قانونية لكيفية التعامل مع الوضع .

هذا الوضع في تقديري فرضه وجود الاحتلال  و لكن  يبقى لنا تقديرنا و تقييمنا للطريقة التي يمكننا العمل بها  دون المساس من الثوابت و الخطوط الحمراء ، و ارجع و أأكد أن هذه الثوابت لم تمس إطلاقا كما أأكد مرة أخرى أن هناك مرافقة و اطلاع  للتنظيم السياسي .

هذه الوضعية لا تنطبق على مناضلي الجمعية فحسب بل تشمل كافة المناضلين بالمناطق المحتلة خصوصا على مستوى التنظيم السياسي ، فالمسؤولية جماعية و المغرب على اطلاع بكوننا صرحنا لكافة السفارات التي التقينا بها أن من يمثلنا هي الجبهة الشعبية و لا وجود لممثل غيرها .

هذا الاشكال لازال يثير النقاش ، و ما طرح هذا التساؤل من قبلكم إلا انعكاس لهذا الأمر، و مهم  و صحي بالنسبة لي أن يطرح هذا التساؤل من داخل الوزارة  الوصية على قطاع الأرض المحتلة و فروعها  و نحن منفتحين على النقاش حول كل الهوامش التي لها تماس مع المجازفة و الشبهات و التشاور بشأن النقاط التي يمكن الاستفادة أو التضرر منها لأن هذا التعاطي و المرونة هي التي ستقودنا إلى التقييم الحقيقي نحو الوضع الأسلم  من أجل خدمة المصلحة  الوطنية العليا لأن أي وضع لا يخدمها لن نكون فيه و لن نذهب في اتجاهه .

 

باعتباركم أحد الفاعلين الأوائل في انتفاضة الاستقلال ، ماذا تحتاج الانتفاضة اليوم  لتتوهج و يشتعل  زخمها ؟

هذا السؤال من أصعب الأسئلة ، و حسب اعتقادي فعلى طول السنوات ال 13 الماضية عرفت الانتفاضة مد و جزر و لم تعرف أبدا وتيرة ثابتة ، إذ لم تشهد وضع تصاعدي بشكل كامل كما لم تأخذ وضع انحدار بشكل ثابت .

فمن البداية إلى وقتنا الحالي أخذت الانتفاضة مجموعة من الأشكال و أوجدت مجموعة من الإبداعات و التطورات  كما مرت بلحظات فتور و تعب و إرهاق ، و يعود ذلك لأسباب موضوعية و ذاتية .

و عند تفحص المحطات البارزة في الانتفاضة نجد أن هناك فترات تباعد متباينة ، فالانتفاضة انطلقت في سنة 2005 و 2006 ثم تلتها فترات تذبذب بعدها بخمس سنوات وصلت لقمتها مع مخيم ” أقديم ايزيك ” لتعقبها مسيرة 04 ماي 2013 و محطات أخرى مرافقة لمحاكمة أبطال ملحمة ” أقديم ايزيك ”

و هكذا …

و سيظل الوضع يسير بوتيرة غير ثابتة نظرا لمعطيات اللحظة لأن المعركة يقودها مناضلون متطوعون في مواجهة عدو تختل معه موازين القوة من حيث العدد و الإمكانيات المادية و الاستخباراتية و دعم حلفاءه .

و اعتقد أن الانتفاضة كبقية الفعل الوطني تكتسب قوتها من منسوب الوعي الجمعي و لكن أيضا من الخطاب : الموحد ، الهادف ، المحرض ، الايجابي و المذكر دائما بحتمية النصر و بما قطعناه من مراحل نحو الهدف الأسمى باعتبار الانتفاضة جزء من هذا المجهود الوطني المترابط و الذي يمثل كل انتصار في أحد أجزائه محفزا و مغذيا لروح و معنويات الأجزاء الأخرى ، و على المناضلين و المناضلات أن يفصلوا بين الأفراد و بين كل ما من شأنه أن يثبط المعنويات و أن يفرقوا بين المناضل و الإطار و بين  القضية و حين ننتقد الأشخاص لا نربط ذلك بالقضية .

 

كلمة أخيرة تتوجه بها للقراء

الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقوله أي صحراوي للصحراويين هو أن أكثر المراحل صعوبة قد مرت و تجاوزناها ،  فمحاولة الإبادة فشلت و كذا الابتلاع و القضية شامخة اليوم و قد نمت و ارتوت بدماء شهدائنا و مناضلينا و معاناة  معتقلينا ، أيتامنا ، ثكلانا و أراملنا ….

و نحن نمر على قاطرة الشوط الأخير الذي سيكون بإذن الله شوط الحصاد و ليس علينا إلا الصبر و عدم اليأس و التكاتف  و التلاحم ، فالدولة الصحراوية يتعاظم وجودها فرئيسنا رفقة مجموعة من قيادتنا يقف ندا للند مع ملك المغرب و وزير خارجيتنا جنبا إلى جنب مع وزير خارجيتهم و سفيرنا بأديس بابا مع سفيرهم و كل هذا تم تحقيقه بتضافر جهودنا الجماعية و بصبرنا الطويل و بمظاهراتنا ،  بمقاتلينا بالدرجة الأولى،  و بدبلوماسيينا …

في الأخير اتقد إليكم بالشكر و من خلالكم أتوجه إلى كل وسائل الإعلام و أتمنى أن ترفع من مستوى الخطاب و تعكس الانتصارات الكبيرة الشاسعة الممتدة من الولايات المتحدة مرورا بأوربا انتهاء بأستراليا و آسيا و عودة الى الحاضن الكبير إفريقيا و أمريكا اللاتينية .

عن essahraelhora

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*