الرئيسية / أراء وتحاليل / هورست كولر، الرجل اللبق الودود.

هورست كولر، الرجل اللبق الودود.

بقلم : سلامة محمد لمين عبد الله.

منذ تعيينه كممثل شخصي للأمين العام للأمم المتحدة، انطونيوغوتيريس، قبل عام، قام الرئيس الألماني السابق، هورست كولر، بعدد من الزيارات شملت، إضافة إلى دولتنا، المغرب، الجزائر و موريتانيا. كولر زار كذلك عواصم كبرى و التقى بزعماء و شخصيات دولية على صلة بالنزاع الصحراوي المغربي، ابرزهم رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، التشادي موسى فقيه. جولة كولر الإستكشافية تُوجت باستدعاء الأطراف المعنية و الملاحظة إلى برلين للتشاور عبر لقاءات ثنائية، يناير/ فبراير 2018.
بينما عبر الطرف الصحراوي عن ارتياحه للطريقة التي يتعامل بها كولر مع الملف، عبر المغرب من جهته عن غضبه من المبعوث الأممي و أعلن منذ الوهلة الأولى، عن رفضه الإنصياع لمبادرات و مقترحات كولر و رؤيته. الرفض المغربي ظهر جليا في امتناعه عن ارسال وفد الى برلين لإجراء المشاورات. الخطوة المغربية مثلت تحديا واضحا لشخص و مهمة كولر، و دون أن يتخذ مجلس الأمن إجراء مناسبا ضد المغرب. كولر اضطر في النهاية إلى الإذعان لشروط المغرب و قبول سلوكه الذي لا يتماشي مع الأعراف والتقاليد الدولية. فما كان من كولر سوى التفاوض من جديد مع المغرب حول المكان المناسب لإجراء اللقاء التشاوري، حيث تم التوافق على لشبونة بدل برلين، في مارس. القراءة المغربية تنطلق من فرضية أن تعيين شخصية مثل كولر في هذه المرحلة بالذات هو دليل على أن المنظمة الأممية لاتزال غير جادة في البحث عن حل للنزاع. فكون هورست كولر رئيسا سابقا لألمانيا، القوة الأوروبية الكبيرة، لا يعني بالضرورة حصوله على الدعم السياسي الذي يحتاجه لنجاح مهمته من بلده الأصلي. القراءة المغربية تذهب الى ابعد من ذلك، بالنظر الى المناخ العام للعلاقات الألمانية المغربية. فالإعلام الألماني، الذي ُيؤثر فيه لوبي المال تأثيرا كبيرا، لا يتوانى عن تقديم المغرب، رغم كل العيوب الموجودة فيه، كبلد عربي معتدل، ذي نهج ليبرالي، ونموذج للإستقرار و التسامح الديني. و تنشط شركات ألمانية كبيرة في المغرب و يساهم بعضها في عملية نهب الثروات الصحراوية. و بشكل عام، تدعم المانيا موقف المغرب في اتفاقيات الشراكة المتميزة مع الإتحاد الأوروبي و في قضايا الهجرة. يذكر في هذا الصدد أن هورست كولر سبق له أن تقلد مناصب رفيعة في وزارة الإقتصاد و بعض المؤسسات المصرفية الألمانية؛ كما تولى رئاسة البنك الأوربي لإعادة الإعمار و صندوق النقد الدولي.
صحيح ان المانيا، كأي بلد آخر، ستشعر بالفخر عندما يتقلد مواطنون المان مسؤوليات في هيئات دولية، فهؤلاء الأشخاص قد توفر لهم المانيا التسهيلات و الدعم أكثر من غيرهم، خاصة اذا ما تعلق الأمر برئيس سابق للبلاد. و بغض النظر عن الحيثيات التي بموجبها تم تكليف كولر كمبعوث شخصي للأمين العام للصحراء الغربية، فإن منصب الرئيس في المانيا هو منصب رمزي؛ فدوره في السياسة يشبه الى حد كبير دور رجل الدين المسيحي في الكنيسة، أي أنه دور الأب والراعي؛ المساعدة في حل الخلافات، ابراز المسائل المشتركة؛ نبذ و توبيخ التصرفات المشينة؛ زرع الأمل و الثقة في المستقبل في نفوس الناس؛ الدعوة الى الوحدة و بذل الجهد لتجاوز الأزمات و الظروف الصعبة. مسألة توقيع القوانين و مراعاة مدى تطابقها مع الدستور هي مسألة ليست ذات أهمية كبيرة بسبب أن الكتل السياسية المشكلة للحكومة لن تقدم على تمرير قوانين قبل مناقشتها مسبقا مع الرئيس الذي رشحته و صوتت عليه و تدعمه. لفهم هذه المسألة ربما يكون مفيدا المقارنة بين منصب الرئيس في المانيا ومنصب الرئيس في النمسا المجاورة نظرا للتشابه الكبير بينهما. ففي النمسا ينتخب الرئيس عبر الإقتراع العام للسكان، بينما ينتخب الرئيس الألماني بطريقة غير مباشرة من خلال توافق المندوبين الذين يمثلون الأحزاب الكبيرة الممثلة في البوندستاغ و البرلمانات المحلية. لذلك يوجد في النمسا الآن رئيس ينتمي لحزب الخضر الصغير و توجد حكومة إئتلاف مكون من اليمين التقليدي و اليمين المتطرف. وهي حالة استثنائية في أوروبا. هذا الوضع السياسي يسمح للرئيس النمساوي بأداء مهامه بشكل مستقل عن المماحكات الحزبية. بينما لو حدثت حالة مماثلة في المانيا، فسيؤثر ذلك بطريقة آلية على مركز الرئيس، رغم عدم انتمائه لحزب معين.
هذه الخلفية، زيادة على ما سبق، هي السبب الرئيسي لتمرد و عربدة المغرب و طريقة معاملته غير اللائقة لكولر.

يبقى الشيء الذي يتقنه كولر بدون شك، هو الرزانة و الدقة واللباقة و القدرة على إدارة المفاوضات في حال توفر الإرادة السياسية للمغرب و البوليساريو. في غياب هذه الإرادة لدى أحد الطرفين و قيامه بسلوك مشاغب، مثلما يفعل المغرب الآن و سط صمت الهيئات الأممية؛ فإن كولر لن يجرؤ على إقتراح أية إجراءات من شأنها أن تسبب ازعاجا لأي منهما.

ربما يكون عزاء الصحراويين الذين يعلقون آمالا زائدة على المبعوثين الأمميين، هو احتمال أن يكون هورست كولر الآن منكبا في وقت فراغه على كتابة مذكراته الشخصية، التي سيضمنها، بدون شك، فصلا مثيرا حول مهمته الدولية الجديدة وجهوده المضنية من أجل ايجاد حل دائم و عادل لقضية تصفية الإستعمار في الصحراء الغربية و العراقيل التي تواجهه في غياب تدابير لتعزيز الثقة و تباعد مطالب الطرفين. هذا العمل، في حد ذاته، سيكون مساهمة محمودة لنشر القضية الصحراوية داخل المجتمع الألماني المعروف بشغفه بالقراءة والكتابة.

عن essahraelhora

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*