الرئيسية / ثابت / التعليم في الصحراء الغربية .. تجربة عصامية

التعليم في الصحراء الغربية .. تجربة عصامية

بقلم: محمد السالك احمد

التعليم في الصحراء الغربية .. تجربة عصامية

من الكتاتيب القرآنية الى مناهج التعليم التحديث  .. نجاحات مبهرة رغم ظروف اللجوء

 

التعليم وسيلة الأمم لحفظ نوعها البشري قبل تطورها و تقدمها الحضاري، فبالعلم يظل الجنس البشري قائما بمبادءه، راسخا بقيمه النبيلة التي تحفظ له تماسكه الثقافي و البيولوجي كعضوء فاعل في استمرارية الحياة على كوكب الأرض بصفة عامة.

تبذل الدول الميزانيات الكبيرة للإسثمار في إستراتيجيات التعليم المستدام و تجند الخبراء لدراسة و رسم خطط إستراتيجية ناجعة للنهوض بمستوى ونوعية التعليم الهادف القادر على تربية الاجيال على النشأ الصحيح وفقا للرؤيا و السياسة العامة للبلد الذي يرنو الى تحقيق غفزة نوعية في إطار التنمية البشرية ذات المقاييس العلمية المتماشية مع متطلبات و مقتضيات العصر الحديث.

و في بلادنا مرت المدرسة الصحراوية للتعليمبعدة مراحل و تجارب بدائية و اخرى عصامية إستطاعت في ظرف ضئيل أن تحقق نجاحات مبهرة رغم غياب كل الوسائل التعليمية التي كان من المستحيل إحراز اي نتائج  تذكر إلا بوجودها كونها الركيزة الاساسية لبناء منهج تدريسي في أي مؤسسة تعليمية.

 

التعليم الصحراوي تجربة عصامية أبهرت العالم

في السنوات الأولى من عمر الثورة التحريرية تمكنت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب في ظروف إستثنائية من نقل الانسان الصحراوي البسيط من بيئته التقليدية التي ترعرع فيها الى بيئة اخرى اكثر تعقيدا و حداثة و تطور بفعل نوعية و جدوائية البرامج التعليمية و التكوينية التي انتهجتها الدولة الصحراوية في سياستها التربوية تجاهالمواطنين الذين تربوا في منطقة ثحراوية و محيط أمي تنعدم فيه شروط و مقومات التعليم الحديث الا من الكتاتيب القرآنية التي شكلت الى زمن قريب اللبنات الاولى لمحو الامية في الدولة الصحراوية الفتية.

 

الكتاتيب القرآنية.. اشعاع علمي في زمن البداوة

لعبت الكتاتيب القرانية دورا لا يستهان به في تدريس تعاليم الدين الاسلامي عبر “الفرقان” المنتشرة في أودية و تخوم المناطق الصحراوية، فكان تحفيظ القران الكريم للصغار الركيزة الاساسية في منهاج الكتاتيب بالاضافة الى دراسة المتن الفقهية و بعض القصائد و المعلقات الجاهلية العربيةالتي كان الشبان في زمن البداوة يتنافسون على حفظها.

ظل “لمرابط” كقيم موثوق بعلمه ينشر فضيلة العلم في صدور الصبية قبل بزوغ كل فجر من خلال “انوالة” التي يشعل بداخلها نار كبيرة لتضيىء ظلمة المكان و تنشر الدفء في اجسام الصغار الذين يشكلون حولها حلقة دائرية يرتلون فيها آيات الله البينات باصواتهم البريئة كخلية نحل نشطة حتى طلوع الفجر،أين يتفرقون بألواحهم و دواءاتهم الى خيامهم التي تبدأ فيها حلقة اخرى من حلقات تدريس الدين و الأخلاق و القيم.

و الى جانب هذه الكتاتيب الاسلامية، كانت الزوايا المنتشرة في المنطقة و البعثات العلمية التي كانت ترسل الى زوايا دول الجوار كجنوب المغرب،”توات” بالجزائر و “شنقيط”  في موريتانيا اشعاع علمي و ثقافي ساهم في تخريج دفعات كبيرة من فطاحلة و مشايخ المنطقة الصحراوية و الذين بدورهم ساهموا في نشر العلم و الأدب بطريقة تقليدية بين أوساط المجتمع الصحراوي لسنوات عديدة في ظل سياسة التجهيل التي كان الإستعمار الإسباني ينتهجها للسيطرة على عقول الصحراويين من خلال التضييق على مدرسي الكتاتيب، منع تدريس اللغة العربية و فرض اللغة الاسبانية كلغة رسمية للتدريس.

 

المدارس الاسبانية .. منهج لطمس العروبة و محو الدين الاسلامي

عمل الاستعمار الإسباني الى بناء مدارس في بعض المدن الصحراوية لتلبية الحاجة الملحةلأبناء المستوطنين الإسبان الذين أصبحوا يتزايدون سنة وراء أخرى و لذر الرماد في أعين المجتمع المدني العالمي التي ارادوا اقناعها زورا أنهم يديرون تنمية بشرية ناجحة في المناطق الصحراوية عبر هذه المدارس التي كانت مخصصة لتعليم اللغة الاسبانية بالدرجة الاولى عبر منهج دراسي إسباني مفرغ من أهدافه البيداغوجية.

 

التعليم المخاض العسير في معركة التحرير

أن تقنع الامي الصحراوي  بضرورة التعليم في مستوى متقدم من العمر لهو الأمر الصعب الذي واجهته السياسة التعليمية الصحراوية في باكورة نشاتها، إذ شكل ملف التثقيف هاجسا أمام القادة الصحراويين لطالما أرق تفكيرهم في زخم التحول الإجتماعي و البيئي المفروض الذي فرضته ظروف  الحرب في ظل انعدام الامكانيات و الوسائل التعليمية و ندرة الكفاءات القادرة على انتشال المجتمع من ظلمات الجهل الى نور العلم و التعلم.

 

الخيمة .. من روح البداوة الى الدعوة الى الحضارة

ما فتأت الخيمة الصحراوية  في بدايات اللجوء تشكل الحضن الدافء لكل سياساتنا التنموية الرامية الى تطوير الذهنيات البدوية و ترقيتها الى مصاف الحضارة و لو في مخيم، فكانت البيت و المطبخ و الادارة و المشفى و حتى المدرسة التي خطت فيها الكثير من أنامل الصحراويين اولى حروفهم الابجدية، لتصير منبع علمي ينشر القراءة و الكتابة في وسط أمي يكاد لا يفقه شيء بسبب السياسات الاستدمارية التي مارسها الإستعمار الإسبانيإبان جثمانه على ارض الصحراء الغربية قبل ان يدخلها الاحتلال المغربي كغازي جديد للمنطقة.

يتواصل مسير الكفاح سنوات مريرة بمرها و حلوها، بحربها و سلامها، لترتقي الدولة الصحراوية بإداراتها الوطنية الى مصاف المؤسسات العالمية من حيث جودة الإدارة، نوعية الخدمات و قدرة الإطار على خلق الفارق و التميز في محيط و ظروف متميزة سياسيا، اجتماعيا و بيئيا يطغى عليها طابع اللجوء عن الوطن الحلم.

بنيت هياكل التعليم الاولى من وزارة قادرة على إدارة و توجيه الشان التعليمي بطريقة سليمة ذات خطى و استراتيجيات ثابتة نحو ترقية مؤسسات بيداغوجية  فريدة ذات لبنات صحراوية خالصة و تجربة عصامية لاطر أملت عليهم الظروف دخول معترك التدريس لحاجة المجتمع الى موجه تربوي يقود الاجيال الصاعدة لبر الامان،الى أن ضمنت جيل واعي، مثقف و قادر على تحمل المسؤليات التارخية، مؤطر تاطير سياسي صحيح و جاهز للتضحية من أجل الهدف الأسمى.

نجحت المدارس الوطنية و مراكز التكوين المهني في تشكيل النافذة الاولى للجيل المتعلم و المتكون الذي يعتبر اليوم الركيزة الاساسية لكل المؤسسات الوطنية و الذي تلقى تدريسا مشبعا بكل قيم و مباديء التحرر و الانعتاق ليقود قاطرة البناء و التشييد كرعيل صحراوي قدر له ان يحمل عبء مؤسسات الدولة الصحراوية الحديثة في ارض اللجوء.

توالت البعثات الطلابية الى الخارج و دول الجوار خاصة، لحاجة الدولة الصحراوية الى اكتساب خبرات ميدانية من تجارب الدول الاخرى من جهة و بسبب الاكتظاظ الذي سببه النمو الديمغرافي المتسارع للمجتمع الصحراوي في السنوات الاولى و عجز المؤسسة الوطنية البسيطة عن استيعاب نسب النجاحات السنوية التي فاقت بكثير عدد المقاعد الدراسية المتاحة بهذه المؤسسات.

و قد تمكنت سياساتنا البداغوجية المنتهجة على مستوى التعليم بالخارج ان تاتي أكلها عبر دفعات الخريجين الذين يتوجون بشهادات جامعية عليا كل سنة، طلبة قادرون على ادارة دفة القيادة الصحراوية  و توجيه بوصلة الثورة نحو الطريق الصائب الذي يصب في نهاية المطاف في الحرية و الانعتاق .

ظلت المؤسسة التعلمية الحريص و الحارس الاول على سلامة الذهن الصحراوي من الشوائب الدخلية و ذلك راجع لما توفره من مادة اكاديمية تبني العقلية الصحراوية المهددة من طرف الغزو الفكري و السياسة المغربية الممنهجة التي تحاول بكل  الوسائل الشرعية و الغير شرعية التاثير السلبي على مسار قضيتنا الوطنية  من خلال استهداف تفكير العنصر البشري الصحراوي الذي اظهر صلابة و متانة امام هذه التحديات بفعل جودة التعليم و كفاءة المعلم.

 

 

 

عن essahraelhora

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*