الرئيسية / أراء وتحاليل / اللجوء والمعجزة الكبرى

اللجوء والمعجزة الكبرى

من ذاكرة اللجوء

سلسلة مقالات للأستاذ عالي أحبابي ، تستعرض جانبا من بناء التجربة الوطنية خلال مرحلتي التحرير والبناء .

………………………………………………..

                       اللجوء والمعجزة الكبرى

تزخر تجربتنا الوطنية بصور جديرة بالقراءة ، مثلتها المزاوجة بين التحرير والبناء ، فمن تنظيم المخيمات وإدارتها ، وسرعة تلبية الحاجيات الأساسية من تطبيب وتعليم وتغذية ، إلى بناء المؤسسة العسكرية وخوض غمار حرب شكلت منعرجا حسم توازنات المنطقة ، فضلا عن دبلوماسية فرض حقيقة الدولة الصحراوية كعامل توازن واستقرار ، تجربة جديرة بالإثراء ، ولكن الحديث عن لجوء الصحراويين يشد الذين خبروا دور الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب في لملمة شتات الفارين بجلودهم من بطش التتار المغربي ، فضلا عن تنظيمهم في دوائر وولايات متناسقة التنظيم ، وتأطيرهم في خلايا وفروع ولجان لتسهيل عملتي التعبئة والتحريض من جهة وتسيير شؤونهم من جهة أخرى .

المعجزة الكبرى

تنقسم معجزة تنظيم اللاجئين الصحراويين الى قسمين ، أولهما كيف استطاعت الجبهة الشعبية في ظرف وجيز احتواءهم وتنظيمهم وتوجيههم ، وثانيهما شعب طيب بحكم طبيعته ، لكن الجهل والأمية يضربان أطنابهما ، وفطرة الامي تختلف عن فطرة الجاهل ، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتفكير في التنازلات (القبلية ، السماح للمرأة بالذهاب للعمل وتعويض الرجل المنشغل بالحرب ، تجييش النساء وتجنيدهن ، تدريس البنات ) ، فاستجابة الصحراويين كانت بحق معجزة تستحق بحثا مستفيضا يغوص في ثنايا شعب تحرك بسرقة البرق ليتحول الى روبوت نضالي قل نظيره ، فمن حيث الشكل الرجال ارتدوا البدلة العسكرية نفسها وامتشقوا بنادقهم ، والنساء التحفن زيا موحدا ، والأطفال لبسوا هم الآخرون اللباس عينه ، أما من حيث المضمون إجماع وطني على الانصهار بشكل كلي في بوتقة الدفاع عن الوطن , وبالتالي توزيع المهام بدءا من جبهات القتال مرورا بالتعليم والصحة والرعاية والحراسة وصولا إلى الإنتاج المادي كخطوة من خطوات الاكتفاء الذاتي .

ولكي نحيط ولو جزئيا بالصورة الكاملة ، لا بد لنا من إطلالة ولو سريعة على بدايات اللجوء ، حيث الاجتياح المغربي في 31 أكتوبر 1975 , ومسيرة جياع المغرب (المسيرة السوداء  06/ 11/ 1975) شمالا المملكة المغربية تكشر عن أنيابها ، وجنوبا نظام ولد داداه وبإيعاز فرنسي يصوب سهامه نحو الشعب الصحراوي ، وغربا المحيط بأمواجه الهائجة ينذر بالغرق ، فاتجه الصحراويون صوب القبلة الشريفة في صلاتهم ودعائهم ، لتفتح لهم الجزائر ذراعيها ، وهو ما ورد على لسان رجل المواقف هواري بومدين حينئذ ، حج اللاجئون الصحراويون صوب الجزائر  ، وصور ذلك النزوح تدمي القلوب ، فالمرأة التي اتخذت من شاتها حملا لأمتعة أبنائها لا زالت شاخصة وحاضرة في أذهاننا ، هاربة من الموت الذي ترصدها في بلدها كظل عملاق يتربص بها ، خلف كل تلك الصور القديمة المتجددة في المأساة الصحراوية تبرز أسئلة عديدة: بم يفكر اللاجئ الصحراوي : هل يفكر في يوم العودة موطنه، أم أن جل تفكيره منصب على العثور على موطن آمن؟ كيف سيعيش وضعه الجديد كضيف مكرم على أرض المليون ونصف المليون من الشهداء ؟ كيف سيتعامل مع ذاكرته المثقلة بجراح اللحظات الصعبة التي عاشها ويعيشها في وضع استثنائي بكل المقاييس ؟، وهل سيتعمد أن يبقي الوجع حياً في نفوس أبنائه وأحفاده وأحفادهم، لعلهم يحتفظون بيقين حتمية العودة يوما  الى وطنهم مهما مرت عاديات الزمن؟.

يمكننا القول، إن كل تلك الأسئلة هي جزء مما نصبو الى النبش فيه خلال رحلتنا مع ذكريات اللجوء عبر جريدة الصحراء الحرة .

عن essahraelhora

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*