جوابا على سؤال أخ مغربي عن الصحراء الغربية: لماذا لم يكن لها علم أو دستور او عملة قديما 1/3

مقدمة:

توصلت منذ بضعة أشهر برسالة من صديق صحراوي أخبرني أنه في حواره مع بعض أصدقائه من المملكة المغربية الذين يعملون معه في شركة بإحدى الدول الأوروبية، غالبا ما يعودون للسؤال عن مواضيع من قبيل: ماهي الدولة التي كانت في الصحراء الغربية قديما؟ وأين هي عملاتها” وعلمها؟ وبطاقاتها ووثائقها؟ بل ويسألون حتى عن سفاراتها وعلاقاتها الدولية الخ، وطلب مني أن أحضر له جوابا يفيد رفاقه في فهم الموضوع.

وبعد تفكير، قررت الإجابة عن رسالته برسالة طلبت منه أن يوجهها لأشقائه المغاربة، لعلهم يفهمون حقيقة هذه القضايا التاريخية التي يلقي بها الكثيرون في النقاش دون فهم صحيح لها ولا لظرفياتها التاريخية. وبالتالي، فإن الورقة الحالية ليست بحثا أكاديميا، بل هي مجرد رسالة إلى المغاربة وإلى القارئ العربي الذي يتعرض أحيانا للتضليل أو الارتباك عندما يحاول فهم القضية الصحراوية، حين ينبري له المغاربة بالحديث عن حقوق تاريخية مزعومة لهم على الصحراء الغربية، راجيا أن أوفق في حثهم أساسا على البحث، والتمحيص، والتفكير خارج الدعايات التي زرعتها الآلة الدعائية المغربية في عقولهم منذ السبعينات، وخارج سياق شعار العياشة الفارغ “المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها”.

وإليكم الرسالة، لتعم الفائدة:

السلام عليكم.

قبل كل شيء ينبغي تنبيه الأخ المغربي أن سؤاله مبني على خطأ منهجي وتاريخي جوهري، حيث يريد الحكم على وضع شعوب ودول العالم القديم، بمنطق الدولة الحديثة التي لم تنشأ الغالبية العظمى منها بشكلها الحالي إلا بعد الحربين العالميتين، بل أن الكثير من الدول الأفريقية والعربية لم توجد بحدودها المعروفة حاليا إلا بعد التقسيم الاستعماري الذي تم بعد سنة 1884 من قبل الدول الاستعمارية الاوروبية في ما يعرف بمؤتمر برلين، وهذا أمر طبيعي لأن الحدود السياسية الجغرافية لم تكن موجودة قديما، بل كانت الحدود حدودا بشرية، إثنية، ثقافية ودينية في أغلب الأحيان، وحدودا متماوجة، متحركة، متغيرة حسب قوة أو ضعف الدولة المركزية وحسب همة وقوة أو ضعف هذا الحاكم أو الملك أو الامبراطور أو ذاك.

وقبل أن نتحدث عن الصحراء الغربية، ومتى ولدت كدولة بالمفهوم الحديث، وكذلك قبل الحديث عن المغرب كدولة ومتى ولد بشكله الحديث، وكيف كان قبل ذلك. لا بد لي أن أشير إلى التالي:

النقود والعملات

أولا: بالنسبة لموضوع العملة، هذا موضوع يدخل في تاريخ النقد، وهو مجال واسع وكبير، وليس بهذه البساطة، ويحتاج لوحده كتبا وتاريخا. لكن على العموم، ولتسهيل الفهم، فالنقد بصيغته الورقية والبنكية الحالية هو وليد نظام “بريتون وودز” لسنة 1944، وشكل هيمنة الغرب على النظام النقدي العالمي، وفيه مباحث كثيرة لا مجال لتناولها هنا.

أما بالعودة للتاريخ القديم، فقد كانت النقود عموما نقودا تحمل قيمتها الفعلية، لأنها في الغالب نقود مسكوكة بالذهب، أو الفضة، أو غيرها من المعادن، وبالتالي لا يهم من سكها، ولا تهم أسماء الحكام التي تسك باسمهم (وليست الدول)، لأن مستعمليها يستطيعون بسهولة إما استغلالها كما هي عبر وزنها، أو حتى إعادة إذابتها واستغلالها بأشكال مختلفة. كما كانت مقايضة السلع بغيرها من أكثر وسائل التعامل شيوعا في العالم، وهنا تكفي العودة لتاريخ التجارة المزدهرة قديما بين أفريقيا جنوب الصحراء وما تزخر به من ذهب، ومعادن، وعاج، وغيره، وبين شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط ومنتجاتها. إذا لا يعتد بالنقود كدليل على وجود دولة ما من عدمها وكم من الدول العظيمة التي حفظ لنا التاريخ أخبارا وأساطير عن تاريخها، في حين لم تتمكن البشرية حتى اليوم من إيجاد أي دليل نقدي أو مادي وأحيانا حتى أثري على وجودها.

البطاقة الوطنية والنشيد الوطني والعلم؟

أما البطاقة، والنشيد الوطني وحتى العَلم، فينبغي تصحيح معلوماتك رفيقي، لأن كل هذه الأمور أشياء حديثة جدا، حتى لو أن العَلم بالمفهوم القديم كان يسمى “اللواء”، وهو قطعة قماش أو جلد أو شعار أو مجسم خشبي أو غيره، حيث كان بإمكان أي قبيلة، أو مجموعة قبلية، أو أمير جيش أن “يعقد لواءا” يمثله. والعَلم المغربي الحديث (لم يعتمد إلا سنة 1915) خير مثال على ذلك، حيث أنه صدر تحت إشراف الجنرال ليوطي، الحاكم الفرنسي للمغرب، وبالتالي شخصيا أتساءل هل هو علم يمثل المغاربة فعلا واختاروه، أم هو علم اختير لهم من قبل نظام الاستعمار الفرنسي، ولست أريد استهزاءا هنا، ولكن فقط لأأكد لأخي المغربي أن كل هذه الرموز رغم أهميتها، فهي لا تستطيع إلغاء العنصر الوحيد الهام في أي دولة، وهو شعبها ومكونها البشري لا غير.

إذا مبدئيا أردت فقط أن أصحح صيغة أسئلتك، التي تتحدث بمنطق المعاصرة، وتتناسى أن التاريخ له أحكامه وظروفه المختلفة، وأن مفهوم الدولة بحد ذاته كمفهوم سياسي وفلسفي لم يتفق عليه البشر حتى الساعة، وذلك أمر طبيعي بسبب اختلافاتهم السياسية والثقافية والدينية، ولذلك لم يتفقوا إلا على الأساسيات، وعلى العموم اتفقوا بشكل أو آخر على ان الدولة هي بالأساس كائن اجتماعي قبل أن يكون سياسيا، أي أن الدولة هي مجموعة بشرية، وهي مجموعة تسير نفسها بشكل تنظيمي ما، ولها مجال جغرافي تعيش فيه وتسيطر عليه وتدافع عنه، كل ما عدا ذلك هي أمور غير متفق على ضرورتها وأهميتها.

ماهي الدولة المغربية؟ سلطنات صغيرة وأسر حاكمة

وفي القديم كانت النظم الاجتماعية السياسية المعروفة هي القبيلة، والمجموعات القبلية، والإمارات، والسلطنات، والممالك، والإمبراطوريات، والجمهوريات والفيديراليات، الخ، وجميعها يمكن أن تعتبر الآن بمثابة كيانات اجتماعية-سياسية يمكن أن يطلق عليها مفهوم الدولة.

فمثلا، لو أخذنا بلدك المغرب (دائما قبل أن أتحدث عن الصحراء الغربية)، فلم يكن المغرب دولة بشكله الحالي موجودا قبل فرض الحماية عليه من قبل فرنسا. وبالتالي كانت الدولة الفرنسية هي التي فرضت سيطرة “المخزن” الذي قوته وساعدته على السيطرة على البشاوات اللذين كانوا يتقاسمون السلطان في المغرب مع “السلطان” محمد الخامس، قبل أن يصبح “الملك” محمد الخامس منذ 1956. وهنا يجب أن تعود للبحث في تاريخ بلادك عن باشاوات مراكش، وباشاوات كلميم، وجمهورية الريف (1921-1926) وغيرها. ففي بعض الأحيان كان السلطان المغربي (سواء في دولة الأدارسة، أو الموحدين، او السعديين…. إلى العلويين) لا يحكم إلا الرباط ومحيطها، وربما لو أحسن قد يحكم فاس ومكناس. أما بقية المدن فإما تكون خاضعة لسلطان باشا قوي، أو مجموعة قبائل. وفي بعض هذه الدول، كانت الدولة مدينة أو مدينتين فقط.

لكن على العموم، يمكن القول أن الدولة في المغرب منذ 1666 كانت سلطنة تقودها أسرة العلويين، وقبلها كانت أسر وقبائل أخرى هي الدولة (السعديون، المرينيون، الموحدون)، ولم تكن للمغرب الأقصى (كما كان يسمى) حدودا قارة، لأن حدوده كانت تتغير وفق قوة “الدولة” و”الحاكم” الذي يحكم، كما أن عاصمته لم تكن الرباط فقط، بل كانت مراكش أحيانا، وكانت فاس سابقا، وكانت مكناس، حسب القبيلة التي تحكم السلطنة.

لكن جميع هذه الدول، والشواهد التاريخية موجودة، لم تحكم قط أبعد من وادي نون. أي أن أقصى الحدود الجنوبية لبعض السلاطين (والدول) كانت تتمدد أحيانا ولسنوات معدودات جنوبا لكنها كانت دائما تتوقف عند أكادير، رغم أن بعض هؤلاء السلاطين كانت تربطهم علاقات، ولهم ولاءات من “بعض” شيوخ القبائل التي كانت تعيش وتسيطر اجتماعيا واقتصاديا وبشريا على منطقة واد نون وهي ولاءات مصلحة واستفادة متبادلة قبل كل شيء كان هذا الشيخ أو ذاك يتخلى عنها بكل بساطة ودون تردد إذا لم يعجبه هذا السلطان أو ذاك، كما أنها في الغالب كانت تعني صاحبها وحده ولا تعني بالضرورة قبيلته أو تجمعه القبلي. ولذلك ستجد أخي المغربي، لو عدت إلى تاريخك نفسه، بأن “المخزن” كان يسمي واد نون ومحيطه “بلاد السيبة”.

أما الصحراء الغربية، آنذاك، فكانت بمثابة المجهول التام، والاقليم البعيد الذي لم يحلم أي سلطان مغربي بالسيطرة عليه، حيث أن آخر السلاطين الذين حاولوا المرور من هناك للسيطرة على تجارة الذهب في أفريقيا (ومالي بالخصوص) كان هو السلطان المنصور الذهبي السعدي، والذي فشلت حملاته العسكرية الأربعة في تحقيق أي من نتائجها، لسبب منطقي هو أن هذا الجنوب الممتد من المحيط الأطلسي حتى مصر هو منطقة صحراوية لم يكن باستطاعة أي دولة مهما بلغت قوتها السيطرة عليها لوعورتها وصعوبة الحياة بها. كما أن وعورتها وصعوبة الحياة بها جعلت أهلها من أشرس المقاتلين الرافضين للخضوع لأي سلطان.

الامبراطورية المرابطية

الدولة الوحيدة التي استطاعت ولعقود قليلة فقط تشكيل إمبراطورية امتدت شمالا وجنوبا في المنطقة، هي دولة المرابطين، وهنا أيضا، ينبغي الانتباه أنها لم تكن دولة مغربية (بالمفهوم المعاصر للدولة المغربية)، بل تشكلت الدولة المرابطية من مجموعة من القبائل التي أسست دولتها في موريتانيا الحالية وفي الصحراء الغربية الحالية، وتشكلت من القبائل الأمازيغية المسلمة التي كانت تعيش في هذين البلدين، ثم انقسمت إلى قسمين، قسم بقيادة يوسف بن تاشفين انطلق ل”غزو” الشمال (أي المغرب الأقصى والجزائر حاليا)، وقسم بقيادة أبي بكر بن عمر انطلق “لنشر الإسلام” في أفريقيا ليصل إلى السنغال ومالي ويحارب دولة غانا. وبالتالي، فحتى هذه الدولة ليست هي “المغرب” الذي تعرفه الآن، بل هي نتاج طبيعي للمكونات البشرية التي شكلتها، والتي نبعت من الصحراء الغربية الحالية ومن موريتانيا واحتلت المغرب الأقصى، وبالمناسبة بنى يوسف بن تاشفين (الموريتاني-الصحراوي) مدينة مراكش التي تعرفها أنت الآن، ثم بعد ذلك غزا اسبانيا ووحد الدولة الاسلامية بعد أن سيطر على ملوك الطوائف وواه الممالك الصليبية الاسبانية، قبل أن ينتهي حكمه وتتشتت وتضعف امبراطوريته لتزيحها دولة الموحدين عقودا قليلة بعد ذلك من الحكم وتعود الدول في المغرب الأقصى إلى حجمها الحقيقي المنحصر في أقصى الشمال الغربي للقارة الأفريقية، أو ما يعرف بالمغرب الأقصى.

وماذا عن الصحراء الغربية؟

ولنصل الآن إلى سؤالك عن تاريخ “الصحراء الغربية” واحتلال دولة المخزن لها حاليا متى بدأ، وكيف كانت الصحراء الغربية قبل أن يعلن شعبها عن دولته “المعاصرة” يوم 26 فبراير 1976، ولماذا فعل ذلك؟

أولا، عليك أن تفهم أخي المغربي أن إسم “الصحراء الغربية” هو إسم جغرافي سياسي استعماري، مثل العديد من الدول الأفريقية، التي لم تسمي بلدانها بل اضطرت اضطرارا لتبني التسميات الجغرافية الاستعمارية لتفادي الكثير من الحروب، ولتفادي الكثير من القنابل الحدودية الموقوتة التي تسبب فيها تقسيم أفريقيا من قبل الأوروبيين في مؤتمر برلين 1884. ولذلك بالضبط أصر الآباء المؤسسون للاتحاد الأفريقي على اعتبار “احترام الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية” و نبذ “التوسع باستعمال القوة” مبدأين أساسيين لوحدة أفريقيا حتى تتفادى الحروب الحدودية. لكن النظام المغربي يهدد هذين المبدئين وينتهكهما للأسف الشديد منذ قيامه، وقد ضاق جميع جيرانه الأمرين بسبب ذلك، ويكفي التذكير بأطماع الدولة المغربي في ما تسميه “المغرب الكبير” الذي يمتد إلى نهر السينغال جنوبا، وإلى تمبكتو شرقا ويبتلع مئات آلاف الكيلومترات من أراضي الجيران المباشرين، الجزائر، والجمهورية الصحراوية ومورتانيا ومالي.

أما منطقة “الصحراء الغربية” فكانت تعرف قديما بأسماء أقاليمها، وماتزال أسماء مناطقها مستعملة منذ القدم، فهي الساقية الحمراء، وهي تيرس، وهي وادي الذهب، وهي ميجك، وهي آوسرد وهي زمور وغيرها كثير. والصحراء الغربية منطقة شديدة الوعورة، قليلة الموارد المائية، وبالتالي لم يتمكن أي جيش أو دولة في القديم من غزوها، بدءا بالرومان والوندال الذين غزوا شمال أفريقيا وشواطئها، وصولا إلى جميع الأسر التي حكمت المغرب. الشعب الوحيد الذي تمكن من ترويض الصحراء الغربية هم مجموعة من القبائل البدوية الرحل، الذين لم يبنوا مدنا، لأن ثقافتهم لم تكن قط ثقافة حضرية، بل ثقافة تنقل وبداوة يتنقلون في الأرض شمالا، وجنوبا، شرقا وغربا في المنطقة دون حاجة لجوازات سفر، ولا للبطاقات التي تسأل أنت عنها الآن. فافهم.

هذه القبائل كان لها بالفعل نظام اجتماعي سياسي خاص بها، هو نوع من الجمعية العامة، أو مجلس للشيوخ، اسموه قديما “أيد الأربعين” أو “آيت أربعين”، وهو نظام جماعي، يعتمد الإسلام دستورا ومرجعية تشريعية وقانونية، ويعتمد التشاور والحكم الجماعي نظاما سياسيا (نوع من النظام شبه البرلماني حاليا)، ولا يتدخل في الشؤون الصغيرة لكل قبيلة على حدة، لكنه نوع من النظام الفيدرالي الذي يختص فقط في الشؤون التي تقوم بين القبائل بعضها بعض، أو مع الأجانب، في حالة تهديد أجنبي، يقيم المحاكم للنظر في القضايا الخطيرة مثل القتل، أو الاعتداءات والنزاعات بين القبائل، ويعقد الصلح والدية وغيرها حسب الشريعة الاسلامية، ويعلن الجهاد (الحرب) ضد الغزاة مثلما فعل مرات كثيرة ضد محاولات غزو اسبانية، وبرتغالية، وفرنسية. هذا هو النظام الذي كان سائدا بين قبائل الصحراء الغربية. ولأنهم بدو ومتمسكون بحريتهم لم يقبلوا يوما أن يتأمر عليهم سلطان أو أمير لا منهم ولا من غيرهم، بل كان لكل قبيلة شيوخها (وليس شيخا واحدا)، وكان لكل مجموعة قبلية أعيانها وحكماؤها وعقلاؤها من أهل الحل والعقد لأن الصحراويين في عاداتهم وتقاليدهم كانوا أقرب لتقبل نظام سياسي برلماني أو جمهوري ولم يكونوا ليقبلوا الملكية أبدا.