جوابا على سؤال أخ مغربي عن الصحراء الغربية: لماذا لم يكن لها علم أو دستور او عملة قديما 3/3

وأين دستور الدولة الصحراوية القديمة؟

أما بالنسبة للدستور المكتوب الذي تحدثت عنه، فكما قلت لك أعلاه لم تكن للدول قديما دساتير، بل أن المملكة البريطانية الآن ليس لها أي دستور مكتوب بل مجرد أعراف متعارف عليها بناء على وثائق قديمة مثل “الماغنا كارتا” التي صدرت سنة 1215 و”عريضة الحقوق” الصادرة سنة 1628، أو بناء على قوانين متعددة، ومثلها في ذلك كندا ونيوزيلاندا والسعودية وغيرها.

وبالمثل كانت قبائل الصحراء الغربية تعتبر أحكام الشريعة الاسلامية ومصادرها الأساسية من قرءان كريم وكتب حديث مرجعيتها التي يخضع لها الجميع (قبل أن تعتمد كلمة دستور للدلالة على وثيقة مرجعية للدول والمنظمات)، وهو أمر مشهود به للصحراويين حتى الآن، أنهم بمجرد أن يصدح المرأ بحكم شرعي صحيح، أو آية قرءانية صريحة أو حديث صحيح في خلاف أو نزاع إلا وخضعت له الرقاب، ومن يتجرأ ويتحداه ينبذ من المجتمع وتسقط مروءته.

ورغم ذلك، هناك بعض الشواهد التاريخية المكتوبة من القليل الذي نجا من المخطوطات تشير بأن “أيد أربعين” كانت في مناسبات كثيرة توثق أحكامها كتابة، كما أن هناك بعض المخطوطات التي تبين وجود معاملات قضائية، من بيع وشراء وغيره تتم على أيدي قضاة صحراويين تعينهم القبائل.

وهناك مراجع تشير إلى تراث أيد أربعين المكتوب، منها مثلا ما ذكره الكاتب الاسباني، خوليو كارو باروخا، في كتابه “دراسات صحراوية”، وهناك مراجع أخرى في كتاب “جامع المهمات” لمؤلفه المرحوم محمد سالم لحبيب الحسين. وينبغي أيضا التذكير بأنه وعكس ماهو مفهوم لم تكن الصحراء الغربية وقبائلها مجتمعا جاهلا خاليا من العلم، بل كانت تعتبر أرض الأولياء، ومزار العلماء، ومكانا مختارا لاعتكاف الكثير من الشيوخ المعروفين. ولم تكن قبيلة صحراوية تخلو من علماء، وفقهاء، وشعراء، وقضاة مشهورين يعتد برأيهم وبعلمهم. ولكن طبعا ومثل الكثير من تراثنا الإسلامي والأفريقي القديم، أغلبه كان تراثا شفويا أو مجرد مخطوطات، إما ضاعت وإما ما تزال لم تعرف طريقها للطباعة والتنقيح والتصحيح، تراث هائل يضيع بسبب استلابنا وانبهارنا بالغرب وثقافته، أو بسبب احتكار قلة قليلة من “جهلاء” الصحراويين الذين يخفون كنوزا من المخطوطات معتقدين أنهم بذلك يحتكرون شأنا أو قوة أو سلطة، وفي أغلب الأحيان تضيع هذه المخطوطات وتتلف بسبب سوء التخزين والإهمال.

خلاصات

ينبغي تذكير الأخ المغربي أن النظام الدولي الحالي وتطور العلاقات البشرية منذ عقود مبني أساسا على القانون الدولي المعاصر، وعلى حقوق الشعوب والإنسان، وتجاوز بشكل كبير عقد التاريخ والإمبراطوريات القديمة، أو يحاول ذلك، لأن غايته في النهاية هي خدمة البشر وليس الأنظمة، لأن الأنظمة في نهاية المطاف يفترض بها أن تخدم البشر وليس العكس.

أما لو حاولنا فرض العودة لمنطق “الحقوق التاريخية” فهل يحق لنا المطالبة بأن تعود جميع ديار الإسلام إلى سلطة الخلافة العثمانية، أو العباسية، أو الأموية، أو الفاطمية؟ وهل يحق للصحراويين والموريتانيين (مادام أجدادهم هم من أطلق الإمبراطورية المرابطية) المطالبة بالمغرب الأقصى وبالأندلس؟ وهل يحق لمملكة مالي أو مملكة السونغاي القديمة أن تطالب بالنيجر، وبوركينافاسو ومالي والسنغال؟ وهل يحق للمملكة الاسبانية أن تطالب بجميع دول أمريكا اللاتينية؟ وهل يحق لروما أن تطالب بكل أوروبا؟ وهل يحق لمصر أن تطالب بالسودان؟ وهل يحق لليمن أو الصومال أو أثيوبيا أن تطالب بجميع دول القرن الأفريقي؟ هذا منطق لا تاريخي، لا منطقي وخطير على أمن وسلامة الجنس البشري.

وبالنسبة للنزاع في الصحراء الغربية فقد تمت مناقشة جميع الحجج التاريخية والقانونية والجغرافية التي قد تخطر لأخينا المغربي على بال من قبل محكمة العدل الدولية سنة 1975، وبحضور ممثلي ومحامي الدولة المغربية الذين قدموا كل شواهدهم، وبحضور ممثلي الدولة الموريتانية، والدولة الاسبانية، الذين هم أيضا قدموا دفوعاتهم، وفي غياب تام للصحراويين، الذين غيبوا ورغم ذلك حكمت محكمة العدل الدولية بأن جميع تلك الوثائق والأدلة التي قدمت لها لا تعني في شيء أن أي من الدول المتنازعة لها سيادة على الصحراء الغربية، بل أن هذه الصحراء كانت مأهولة بشعب معروفةٍ مكوناته القبلية ومحددة جيدا، وبالإسم، قبائلا ومجموعات قبلية يعرفها كل من في المنطقة من الدول المجاورة، مجموعة بشرية متجانسة لم تكن خاضعة في أي وقت من الأوقات لا للمغرب ولا لموريتانيا ولا لاسبانيا.

ويمكنك العودة لقرار المحكمة الدولية، ففيه الكثير من الوثائق التاريخية التي قد تهتم بالاطلاع عليها، ولكن في النهاية، الحقيقة الوحيدة التي بقيت منها هو أن هناك شعب اسمه الشعب الصحراوي، وله أرض بحدود دولية معترف بها اسمها الجغرافي والسياسي حاليا هو “الصحراء الغربية”، ولهذا الشعب ممثل سياسي شرعي تعترف به الأمم المتحدة اسمه “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (المعروفة اختصارا باسم جبهة البوليساريو)، وقد أعلن هذا الشعب عن قيام دولته “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” يوم 27 فبراير 1976 بمحض إرادته لملأ الفراغ الإداري والسياسي الذي تآمرت اسبانيا مع المغرب لخلقه بانسحابها الفوضوي وغير القانوني يوم 26 فبراير 1976، وقد اعترف الاتحاد الأفريقي بهذه الدولة وبحق الشعب الصحراوي في إعلانها لحكم بلاده رسميا بعد أن انضمت الجمهورية الصحراوية لمنظمة الوحدة الأفريقية سنة 1982.

أما بالنسبة لاعتبارك أن الدولة الصحراوية غير موجودة فقط لأنه لم يكن لديها نظام سياسي قبل 1973، فعلي تذكيرك بأن الكثير من الدول لم تكن موجودة بهذا المفهوم الذي تشير إليه قبل استقلالها في فترة الستينات، مملكة السعودية لم تكن موجودة قبل 1932، والمملكة الأردنية لم تكن موجودة قبل 1921، ولا قطر، ولا الكويت، ولا السودان، ولا نصف الدول الأفريقية، ولا حتى المغرب الحالي، مثله مثل الكثير من البلدان الأسيوية، أو من أمريكا اللاتينية، بل حتى الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن موجودة قبل 1776، فهل هذا يعني أنها ليست دولا؟

ولو عدت فقط إلى التاريخ الحديث للاحظت مثلا أن عصبة الأمم التي سبقت الأمم المتحدة كانت بها فقط حوالي 40 دولة، في حين أن منظمة الأمم المتحدة عند ميلادها سنة 1945 كانت الدول المؤسسة لها 51 دولة فقط، ولم يكن المغرب من بينهم بالمناسبة لأنه كان دولة مستعمرة آنذاك، فهل هذا يعني أن المغرب ليس دولة؟

ثم توالى تغير تشكل دول العالم وميلاد الدول الحديثة منذ ذلك التاريخ لتعرف سنة 1960 أكبر حدث تاريخي في ما يخص ميلاد الدول المعاصرة في أفريقيا بعد استقلال عشرات الدول لتتحول أفريقيا التي كانت قبل 1960 لا تتجاوز 30 دولة إلى قارة بها الآن 55 دولة؟ فهل كانت جميع هذه الدول الأفريقية (التي أغلبها كانت مجرد تجمعات قبلية سابقا بدون عملة، وبدون علم، وبدون دستور وبدون حكومات) هل كانت فراغا فقط لأنها لم تتوفر على دول عصرية قبل غيرها؟ المنطق الذي تتحدث به هو منطق المستعمر الأجنبي والأوروبي بالخصوص الذي لا يرى في شعوبنا إلا مجموعة من الحيوانات المتوحشة التي لم تعرف الحضارة حتى جاءها الاستعمار وعلمها الحضارة وصنع لها تاريخا.. وهذا لعمري منطق استلاب استعماري خطير. فافهم.

وبالنسبة لاحتلال المغرب للصحراء الغربية هذا لا يحتاج دليلا، فالنظام المغربي ومؤسساته لم تكن موجودة في الصحراء الغربية قط قبل سنة 1975. وليس لأبناء الشعب المغربي جد واحد مدفون في أي بقعة طاهرة من أرض الصحراء الغربية، ولا أثرا معماريا، ولا مسجدا، ولا قرية؟ فأين كانت الدولة المغربية عن كل ذلك يا ترى؟ حتى المغاربة الذين عاصروا هذه الحقائق ما زالوا أحياء ويعلمون أن بلادهم التي يعرفونها في الخمسينات، كانت تنتهي عند أغادير جنوبا، وما وراءها كان بالنسبة لهم أشبه ب”جزيرة الواقواق” في الخرافة العربية.

أما إذا أردت أن تحصل على أدلة قانونية لذلك، فهل يكفيك أن نذكرك بأن الأمم المتحدة لا تعترف للمغرب بالسيادة على الصحراء الغربية ولا بإداراتها للبلد المحتل؟ عد إلى لوائحها لتصفية الاستعمار لتفهم ذلك؟ وهل يكفي أن نذكرك بأن الأمم المتحدة لها بعثة قائمة لتنظيم الاستفتاء بالصحراء الغربية؟ لماذا تفعل ذلك لو كان المغرب يملك السيادة؟ لماذا ليست لها بعثة تنظيم استفتاء في بقية دول العالم؟ هذا لوحده أكبر دليل على أن المغرب دولة احتلال وأن تواجده في الصحراء الغربية أمر غير شرعي. ولنعود للوثائق أرجو أن تعيد قراءة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة سنتي 1979 و 1980 حول الموضوع، ستجد أنها تصف التواجد المغربي بالاحتلال بشكل صريح أربع مرات وليس مرة واحدة فقط.

وفي حال تعذر عليك الحصول على القرار، إليك النص الذي جاء فيه ذكر الاحتلال المغربي للصحراء الغربية:

قرار اتخذته الجمعية العامة (بناء على تقرير اللجنة الرابعة رقم – A/34/638/Add.1)

القرار رقم: 37/34 مسألة الصحراء الغربية

إن الجمعية العامة،

وقد نظرت بتعمق في مسألة الصحراء الغربية،

وإذ تشير إلى حق جميع الشعوب، غير القابل للتصرف، في تقرير المصير وفي الاستقلال وفقا للمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وفي قرار الجمعية العامة 1514 (د-15) المؤرخ في 14 كانون الأول/ديسمبر 1960 والمتضمن إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة،

وإذ تحيط علما أيضا باتفاق السلم المعقود في الجزائر في 10 آب/أغسطس 1979 بين موريتانيا والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وبقرار موريتانيا سحب قواتها من الصحراء الغربية،

وإذ تدرك القلق البالغ الذي تبديه الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وبلدان عدم الإنحياز إزاء تفاقم الحالة السائدة في الصحراء الغربية بسبب استمرار احتلال هذا الإقليم واتساع نطاق هذا الاحتلال،

5-  تعرب عن الأسف العميق لتفاقم الحالة نتيجة استمرار احتلال المغرب للصحراء الغربية ومد نطاق هذا الاحتلال إلى الاقليم الذي انسحبت منه موريتانيا مؤخرا،

6-  تحث المغرب على أن تشترك في عملية السلم وتنهي احتلال اقليم الصحراء الغربية،

7-  توصي بأن تشترك الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، ممثلة شعب الصحراء الغربية، اشتراكا كاملا في أي بحث عن حل سياسي عادل ودائم وحاسم لمسألة الصحراء الغربية وفقا لقرارات وتوصيات الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وبلدان عدم الانحياز،

وختاما، أقول أن الشعب المغربي للأسف الشديد يعاني من نظام فاشل تجاوزه العصر، اسمه نظام المخزن، يمارس عليه كشعب سياسة ممنهجة لغسيل الدماغ من أجل حماية الملك وأسرته، وحماية مصالحه، ولا تهمه بتاتا لا مصلحة الشعب المغربي، ولا الدولة المغربية، ولا هم يحزنون. لماذا؟ لأن نظاما يضحي بالعلاقات مع جميع دول الجوار فقط لخدمة الأجندات الاستعمارية الفرنسية خصوصا هو نظام عميل، ونظام غير وطني، ونظام لا يستحق الاحترام، وأنصحك أخي المغربي بأن تتمعن جيدا في سياسات النظام الذي يحكمك، وستدرك أن أكبر عدو له هو الشعب المغربي، الذي يعيش الفقر، والتجهيل، والمآسي، التي لم تعد حتى سرا ولم يعد النظام حتى يخفيها بل صارت مكشوفة للجميع.

أما الشعب الصحراوي، فقد وقف في وجه الأطماع المغربية، وفي وجه الانتهاكات، وأرغم هذا النظام مرارا على التنازل، وعلى تخفيف انتهاكاته، حتى بتنا نسمع من يتحدث في المغرب عن حقوق الإنسان. ولولا تضحيات الشعب الصحراوي، وتضحيات قلة قليلة من أبناء الشعب المغربي من المناضلين الشرفاء في مختلف مناطق المغرب، لما سمعنا في هذه المملكة القرن-أوسطية المتخلفة من يرفع صوته في وجه الملك بغير آيات الحمد والشكر والركوع على ملة “العياشة”. فافهم.